تراجع دور الإعلام في صناعة رأي عام

عدنان سمير دهيرب/ نقلا عن جريدة الزمان الدولية




لا يمكن إغفال دور الاعلام في التأثير لصناعة رأي عام حول القضايا التي تمس حياة الافراد والجماعات في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

وهذا الدور يتوفر او يتحقق في البيئات الحرة و الانظمة الديمقراطية التي تسعى الى إشراك الجمهور في صياغة القرار السياسي.

و كلما كان الاعلامي ولاؤه للمواطن فأنه يحقق أحد عناصر الاعلام والنجاح بتطبيق أبرز اخلاقيات العمل كالمهنية والموضوعية والدقة والمصداقية ، وبعدُ يصبح للاعلام الأثر في صياغة الرأي العام و تغيير اتجاهاته . من خلال تدفق المعلومات بهدف إستيعاب الواقع و الارتقاء بالوعي السياسي، تحقيق المصلحة العامة ، و ليس مصلحة الجهة الممولة لتلك الوسيلة سواء كانت حزبية او شخصيات يتعاملون معها كوسيلة سياسية او ترفيهية ، و ليس كمؤسسة اجتماعية تلتقي مع المؤسسات الاخرى لتغيير المجتمع.

أن كثرة الوسائل الاعلامية التي ملأت تردداتها فضاء البلد، وأخرى صحفية صدرت خلال الاعوام المنصرمة ، بسبب تغيير بنية الواقع الاعلامي ، أدى الى التعدد الذي أفضى الى الخلاف لا الاختلاف ونشر بذور الفتنة والانقسام لما تحمل من محتوى إيديولوجي ، يهدف الى التنافر والهيمنة.

و هذا الأمر يعود الى التزييف الذي يمارسه الساسة و أدواتهم الاعلامية ، لصناعة وجوه عديدة للحقيقة التي ليس لها غير وجه واحد .

وبذلك تفقد الوسيلة الاعلامية الموضوعية في تناول الاحداث التي تحصل في الواقع ، مما يؤدي الى تضليل وتشويش المتلقي في كيفية تعامله مع تلك الوقائع، بمعنى ان الاعلام يغدوا أداة للانحراف و ليس رسالة لخلق الوعي.

ويرى باحثون ان الموضوعية تعني تقديم الوقائع كما هي و لكنها لا تعني الحياد ، إذ ان حياد الاعلامي يعني عدم إتخاذ موقف حتى في الامور القيمية او الأخلاقـــية والوطنية .

الحياد الاعلامي هو وسيلة للهروب من المسؤولية الاجتماعية ومن إتخاذ موقف أخلاقي و هذا الهروب يمثل عملاً لا اخلاقياً .

ففي النهاية أن اللاموقف هو في حد ذاته موقف. أي أن إتخاذ موقف حيادي من امور اخلاقية هو بالنتيجة موقف لا اخلاقي . (نبيل دجاني/ إشكاليات في الاعلام العربي) . إذ ليس من الجائز ان يقف الاعلامي موقف الحياد واحياناً الدعم لدول أقليمية على حساب الموقف الوطني والتضحيات الجسام لأبناء شعبه ، وقد تجلت تلك المواقف أثناء الصراع والحرب على عصابات داعش التي سفك أبناء العراق الدم الطهور ، وتقديم آلاف الشهداء من اجل وحدة الوطن ، ويقدم بعض الاعلاميين أهمية الدعم المادي للآخر على حساب الدم العراقي المسفوح.

او الدفاع و تجميل صورة السياسي الذي أغتصب حق المواطن بالحياة الكريمة ، بفساده و شعاراته وتصريحاته المضللة ,التي تشي الى استخفافه بعقل المتلقي.

هذا الخطاب الملوث يعكس تراجع مستوى أخلاقيات العمل الاعلامي ,التي دخلها افراد ليس لهم الخبرة والممارسة والموهبة والقدرة على التعامل في كيفية نشر المعلومات بوصفه حارساً للمواطن وإنما حارساً للجهة السياسية التي تسعى لنشر خطابها ، الذي طالما أسهم في عملية التفكيك والاضطراب السياسي والمجتمعي.

تراجع دولار

مما أدى الى تراجع دور الاعلام في تشكيل رأي عام عراقي يدعم التحول الديمقراطي و يقوم بالضغط على السلطات و الحؤول دون أصدار قرارات او قوانين لا تنسجم مع تطلعات الشعب ، وتشكيل رأي أغلبية المجتمع إزاء القضايا الوطنية .

فقد أخفق الاعلام في إقناع الشعب بالمشاركة الواسعة في عملية الاقتراع للانتخابات البرلمانية الماضية وقبلها.

اخفق بالتأثير لتغيير الاوضاع المعيشية والخدمية والجمالية للسكان وتحسين جودة الحياة ,واخفق أيضاًفي بناء مجتمع مدني واعٍ قادر على الضغط والارتقاء بمسار التنمية التي يفتقر اليها البلد. بل ان العديد من تلك الوسائل الاعلامية كانت احد الاسباب الرئيسة في إنقسام المجتمع الى جماعات وطوائف و ايديولوجيا تسعى الى تعميق الخلاف والتنافر لاسيما اثناء الازمات الامنية، بمنحها أبعاداً مذهبية وعرقية ، والانشغال بحقوق الاحزاب التي أسهمت في تفكيك الهوية الوطنية الجامعة ، وانتجت صراعات واحداث مازالت تشكيل تحدياً للمجتمع لعدم إمكانية العديد من تلك الاذرع الاعلامية من نشر ثقافة الحوار والتسامح، وانما نشر أنصاف الحقائق ان لم تكن دونها ، من خلال المحتوى الذي ينسجم مع ايديولوجيا الجهة السياسية و خطاب الوسيلة الاعلامية ، مما افقدها المصداقية في عملية العرض وهذا يتقاطع مع المهنية و الموضوعية التي ينبغي ان يتسم بها الاعلام .

كي تؤمن نجاحه إضافة الى ان معظم تلك الوسائل تعتمد على التسريبات والاثارة السياسية في تناولها للقضايا السياسية بالبرامج التي تعرضها و إجراء حوارات مع شخصيات يطلق عليها مقرب من الحزب او التيار او الحركة السياسية ، حتى يقع في فخ اسئلة الاثارة التي يطرحها مقدم البرنامج، لغياب المعلومة الدقيقة ويذهب الى التأويل والمبالغة بعيداًعن الحقيقة بتحليلات تهدف الى خداع الجمهور .

وهذا جزء من عملية التضليل والإلهاء وعدم الاهتمام بمعاناة المواطن والاهتمام بصراعات الاحزاب والسلطة ,و قد تجلى ذلك في عرض ونشر الاختلافات والصراعات بين الاحزاب الفائزة والخاسرة بانتخابات تشرين . الخلافات ليس لمواجهة التحديات التي تطوق الشعب وانما للحصول على مغانم السلطة والمحاصصة كي يستمر الفساد المالي والفقر والسلاح المنفلت وانتشار المخدرات والتدخل الخارجي والعبث بالامن ، لينشغل المواطن بحاجاته الاساسية والانسانية .

لذا اصبح دور الاعلام هامشياًفي مرحلة التحول الديمقراطي التي يعيشها البلد، جراء تراجع مهمة التجسير في علاقة المواطن بالدولة ، وغياب المعلومة الدقيقة ، الضعف المهني بدخول طارئين و أميين على العمل الصحفي ، الاهتمام بمصالح الاحزاب قبل المصلحة العامة ، وتراجع دور الوسيلة الاعلامية في ترتيب أوليات الجمهور . فضلاًعن التدخل الخارجي في خطاب بعض الوسائل . هذه العوامل و غيرها أدت الى تراجع دور الاعلام في صناعة رأي عام عراقي ، و بناء مجتمع مدني يلتقي مع مبادئ و قيم الديمقراطية . مما يتطلب سياسات إعلامية ومبادئ ترتقي بالواقع الاعلامي لتؤكيد اهميته في بناء نظام ديمقراطي، بمزيد من الرصد والمعالجة بهدف التقويم، مع التأكيد على حرية التعبير المسؤولة.

( صحفي و أكاديمي)

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال