آخر الأخبار

سوار الماضي وأسيجة الحاضر

  عدنان سمير دهيرب/ نقلا عن جريدة "الزمان" الدولية




للأسوار حكايات واقعية وخيالية ، أسطورية و حقائق سطرتها الشعوب ،  ذُكرت في الملاحم الادبية و النصوص التاريخية ،  لتجسد واقع و حياة الملوك و القادة و الجماعات ، تتخذ أشكالاً متعددة و مختلفة تفرضها الطبيعة و الظروف الموضوعية و الاهداف لتشييدها فهي وسيلة للحماية تارة،  وللقمع و العسف الذي يصيب أفراداً و جماعات من سلطات تجد فيها منفذاً للسيطرة تارة اخرى . و الغالب أن تلك الاسوار منذ العصر الامبراطورية قبل الميلاد ولغاية العصر الحديث هي وسيلة للحماية من عدو خارجي يسعى للغزو و الاحتلال و الفرقة. و لأهميتها وأثرها الباذخ في تاريخ الدول والامبراطوريات و الشعوب ، فقد نقشتها مدونات و ملاحم تشير الى واقع يرتقي الى الاسطورة في الانجاز.. لشعوب شيدت حضارات ، غدت من تلك الاسوار أحد صفحاتهاالمضيئة ،  و عجائب تثير الدهشة. غير أن أهداف تشييدها تغيرت ،  فاذا كانت في السابق للحماية ،  فقد أخذت في العصر الحديث تهدف للعزل و الهيمنة ،  مثل جدار برلين الذي شيد عام 1961 ،  و جسد صورة لتقسيم شعب على أساس آيديولوجي ، و حين إنهار عام 1989 ،  كان بوابة لدخول ساحة الحرية بعد ثمانية و ثلاثين عاماً.

ليست الاسوار هي أدوات للفصل و العزل فحسب بل ثمة أدوات و أدوار أخرى تستخدمها لهذا الغرض كالسواتر و الخنادق و الاسيجة والاسلاك الشائكة ،  إذ تقوم السلطات بنصبها وحفرها  ،  كأشارات وعلامات لذات الاغراض السابقة والاهداف اللاحقة .

حمل البنادق

فالاسلاك الشائكة رسائل كما يصفها نزار قباني و دعوة لحمل البنادق والتحرر من الاستعباد و الاحتلال يقول

 أبحث عن بيتي الذي هناك

عن وطني المحاط بالاسلاك

فهو يرسم صورة الانسان الباحث عن ذاته في وطن تسوه الاسلاك و القيود.

هي رمز لسلب حرية الانسان تضعها السلطة في الداخل و على حافات المعسكرات التي تجري فيها عمليات الضبط و تقييد الحركة و السلوك والتدريب على نظام يلتقي أحياناً مع واقع خارج تلك الساحات لترويض الانسان نحو الطاعة و الخضوع حين تخصى الحرية ،  و تتماهى الاوامر داخل الساحة مع خارجها .

وقد شهدت أجيال من الشعب العراقي ذلك الواقع خلال العقود المنصرمة ، كبذور تنمو و تتكيف مع مجتمع عانى من القمع الذاتي في معتقل كبير هدرت فيه الحقوق.فالاسوار لم تفارق الشعب العراقي ،  إذ تحولت الى جدران كونكريتية في زمن الخلاص بعد سقوط الدكتاتورية ،  فقد نصبت الجدران الكونكريتية حول المناطق و المحال و الازقة بذريعة درء الفتنة و القتل و الصراع المسلح ،  وبزغت هويات تنتسب لإرث من الاختلاف و الخلاف و التقسيم وتعميق التكاره بين المجتمع ،  جراء قرارات القوات الغازية التي وجدت في الجدران احد وسائل تكريس الخلاف والانقسام و الاعتقال الطوعي ،  وشاركتها أدوات و قوى سياسية داخلية في اللعبة للوصول الى السلطة و الهيمنة

وبالرغم من رفع و إزالة قسم من تلك القطع التي شكلت جدراناً من العزل المادي ،  بيد أنها رسمت صورة لواقع يعاني من الاضطراب و الصراع الذي استمر باشكال و صور مختلفة ومتعددة تقترن بثقافة مجتمع ليس يسيراً تغييره.فالجدران في مدن و شوارع العراق لا تشبه جدران الفصل مثلا بين جمهور برلين الغربية و الشرقية .. لانها كانت نتاج و اقع جديد و صراع ايديولوجي وهيمنة دول فرضت سلطتها بعد الحرب العالمية الثانية . و حين توحدت المانيا بدأت حياتها الجديدة من المدارس و الشوارع و المصانع وقبل ذلك ((بدأت من عقل الشعب الألماني الذي عانى خمسين عاما تحت قبضة احد اكثر الانظمة قمعا )) مثلما يرى أريك دورتشميد.ومع سقوط الجدار أنتهى عصر الايديولوجيا الشيوعية ،  ليبدأ عصر جديد صاغته الارادة السياسية والشعبية و التوق الى الحرية.فيما إزالة جدران مدينة بغداد رغم أهميتها المادية و النفسية لبدء خطوة جديدة من الانفتاح و التغيير البطيئ في رسم الواقع ،  لكن التغيير لم يلامس العقول و القيادات السياسية . فما زالت الجدران قائمة في مخيال قطاعات واسعة من الشعب  ،  وايديولوجيا الاحزاب التي تطل برأسها مع كل أزمة سياسية وأجتماعية و أمنية  ومع كل انتخابات ضمن نظام سياسي أصبح يشبه (مصيدة) لتعيق المحاصصة في مجتمع مازال يحرث في ماض لا يمضي غاطس في معضلات الحاضر ،  و تخلى عن التفكير في المستقبل.

وأمسى المنجز التقني و التكنولوجي لوسائل التواصل و الاعلام التقليدي ،  أحد أهم الادوات ليس لإفادة الثقافة و الارتقاء المعرفي ،  و اندماج الثقافة بالتطور التكنولوجي ،  مثلما هو سائد في الدول المتقدمة و انما وسائل لصلادة الاسيجة الغارقة بالعزل المعتقدي و اللاهوتي

و المشكلة مثلما يرى المثقف هاشم صالح –بما معناه- هي أنك كونك عائشاً داخل السياج الدوغمائي او القفص العقائدي الديني يشعرك بالتمايز الكامل عن الاخرين الذي لا يشاركونك نفس الاعتقاد او نفس الدين . وعندئذ قد تحقد عليهم وتكفرهم و تزدريهم لانهم لا يتركون أديانهم او معتقداتهم و ما يؤمنون به و يعتنقون ما تؤمن.

معضلة ازلية

تلك معضلة أزلية لا يمكن التخلي عنها في مجتمع تستقر فيه الثوابت المعتقدية الراسخة ،  وبيئة سياسية تكرس الانغلاق بكل أشكاله الشخصية و المجتمعية بعيداً عن التسامح والمواطنة و المساواة و العدل و حرية التفكير و التعبير عن الرأي كقيم للديمقراطية التي لا نمارس منها غير الجانب  الشكلي في الانتخابات بغياب الاحزاب الوطنية الجامعة و استخدام وسائل الاعلام و التواصل وقوداً لعجلة الاحزاب  التي أسهمت بنشر الاسيجة المنظورة و غير المنظورة.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة