آخر الأخبار

ملامح الشخصيات في الروايات العراقية .. (لقاء الجمعة) لحامد فاضل



بغداد – حمدي العطار

يتميز اسلوب الروائي حامد فاضل في رسم شخصياته الروائية بالحميمية واظهار الحب لها ولأفكارها ومواقفها الانسانية والوطنية، ففي رواية (لقاء الجمعة) يقتحم السارد – الروائي- خصوصية القارئ ليفرض عليه بشفافية وذوق رفيع التعاطف مع البطل (سهيل السماوي) ومع ثيمة الرواية (مذكرات وذكريات السماوي) التي ستكون مادة وموضوع الرواية! وما اطلق عليه حامد فاضل (عتبة) يبدأ التشويق في السرد عندما يضيع من السارد حاسوبه الشخصي (كيف أنقل الخبر الى ذلك الرجل الجاد؟ بأي وجه أقابل من وثق بي وسلمني مدخرات ذاكرته؟) يتعامل الروائي حامد فاضل مع شخصياته كنماذج انساني للتعبير عن أبعاد الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية (تلك الذكريات التي شكلت سداة نسيج روايتي، والمذكرات التي كونت لحمتها..الرواية التي نويت حياكتها عن نضال القوى الوطنية العراقية واخترته هو كمثال لذلك) ص11 .
مغامرة التجريب والتجديد
السرد الذي يتعامل معه الروائي حامد فاضل ويرسم شخصياته التي تكون ولادتها غير طبيعية لأنها ترغب في التجديد لتشكل وعيا مميزا لدى القارئ وتكون قادرة على التعبير عن اللحظة الانية مستندا على كل المراحل الزمنية المؤثرة ، لنقرأ كيف يصف دهس قطة من قبل سيارة (زرقاء غير مرقمة) (تحت طابور صور المرشحين خمدت... كانت قطة جميلة، بعد مرور الأوبل صارت مأدبة للذباب)ص14
على الرغم مما اصاب التمدن والحضارة وكل الصعوبات والاخفاقات وحالة اليأس والخيبة نرى حامد فاضل ينطلق من الامكنة المألوفة (مدينة السماوة) ليجعل العالم فعلا (قرية صغيرة جدا)"ليل السماوة بلون ثياب الثكلى، وقمر السماوة بلون خدود العذراوات، وسماء السماوة تغيير ألوانها في عيون المتضرعين للدعاء"ص18 ، هو لا يعالج المشكلات الخاصة بمعزل عن اطارها الاجتماعي وحينما تبدأ بقراءة رواية (لقاء الجمعة) تشعر بالهم العام هو سبب تعاسة شخصياته وليس الهم الخاص فقط!(هناك حاجة انسانية تكمن في دواخلنا للحديث إلى الاخرين. فالانسان دائم البحث عمن يستمع إليه) هو لا يتكلم فقط عن شخصة البطل او الشخصيات الروائية فحسب بل ينسحب عنده السرد بعيدا بالمعنى والتاويل ((يا أخي للأسف، بعض الذين صعدوا في قطار اليسار، كانوا انتهازين بامتياز ما إن وصلوا إلى الشهرة، حتى هرولوا للحاق بقطار اليمين)) ص23
ويبدع الروائي في جعل الاستهلال (العتبة ) جميلة ومغرية لمواصلة القراءة (حملت ملف رواية لقاء الجمعة، الذي ارسله جابر العثرات علمتني قراءة الروايات أن الاستهلال هو المبشر بجودة الرواية).

لا تخلو رواية (لقاء الجمعة) للروائي "حامد فاضل" من مدلول الامكنة، على الرغم من طغيان المدينة (السماوة- بغداد) لكن للصحراء مدلولا رمزيا- عاطفيا ، فهناك الحبيبة (ساره) وهناك المعتقل (نكرة السلمان)، وبحس اجتماعي- سياسي ينقل لنا السارد (سهيل نجم السماوي) عشقه لهذه البيئة الصحراوية على الرغم مما اصابه من قسوة الفراق والابتعاد عن ساره بسبب الالتحاق بالمدرسة والرجوع الى السماوة،
وهو لايزال لم يستوعب هذا الوضع الجديد حتى يخسر صديقه الطالب اليهودي عزرا بسبب تهجير اليهود من العراق! الاطار الزمني في الرواية يتماهى مع الامكنة، وانا اقرأ هذه الرواية استذكر قسوة البيئة الصحراوية في رواية (واحة الغروب) "بهاء طاهر" ورواية (فساد الامكنة) "لصبري موسى" ووصفهم لصحراء مصر القاسية جدا، لنرى كيف يصف حامد فاضل لنا (البادية) في هذه الاسطر "وهناك..هناك بعيدا هناك، حيث ضربت خيمة الله أطنابها في الآفاق، وألقت بظلالها على بادية بصية- اكتسبت اسمها من بصيص الماء بين الحصى- هناك حيث تنحني السماء، وتنهض الأرض، يمد الأفق بساط العشق، فيلتف الثوب الأزرق بالثوب الأصفر، ويلتحم الجسدان الأعلى والاسفل، يتعشقان ببعضهما وفي لحظة ذروتهما، يصطبغان بلون الغسق، يعرقان فيهطل الغيث، يلحس بلسان الماء جلد الأرض الأغبر، يخلع عليها حلة الربيع، فيستيقظ وادي بصية من سبات الشتاء، يغسل وجهه بدلاء السماء، يمشط شيبة العشب ويصبغها باللون الأخضر"ص59 سرد منثور يرتقي الى مستوى الشعر اكاد لا اريد ان انهي الاقتباس، اليس من واجب النقد كما يقول (جبرائيل سليمان جبور) :هو تطبيق علم الجمال على النص الادبي!


*ملامح الشخصيات
اذا كانت الامكنة – حتى السجون- التي تصادر الحريات قبيحة فأنها لأصحاب القضية (مدرسة) فالامكنة في الرواية ملامح الشخصيات او تساهم في تحديد ملامح الشخصيات في الرواية ، سهيل نجم السماوي السجين السياسي بعد ان يخرج من المعتقل عام 1958 كان يحمل في عينيه كامرة لمقارنة صور الاشياء التي كانت بالامس وكيف اصبحت الان(سوق السماوة المكشوف- العربات التي تجرها الحمير- الدكاكين القديمة المسقوفة بالجذوع والحصائر المطلية بالطين الخ) الا ان للحوار عند حامد فاضل قصة اخرى على الرغم من ندرته في الرواية لكنه (حوار فني راقي) لنقرأ الحوار بين (سهيل )والحارس (عذيب) - تشجع الحارس فأطلق عنان لسانه- ما خبرتني أين كنت طوال هذي المدة؟/ - في السجن./- أقتلت احدا؟/ - شوف وجهي أهذا وجه قاتل؟/ اقترب اللون الأخضر في عيني الحارس من اللون الحنطي في وجه سهيل لحظة، ثم كشف عن اصفرار أسنانه:- بالله وجهك وجه مسالم، لكن لم حبسوك؟/ - لأني رجل حالم/- انا كل ليلة أحلم ولم يحبسن أحد/- انت تحلم وأنت نائم، أنا أحلم وأنا صاح..يعني أنا سجنت لأني أمشي في طريق الشمس/- قه قه قه..قضيت عمري بالبادية أمشي في الشمس، ولم أسجن/- انا سجنني الماشون في طريق الظلام"ص51 وفي الرواية حوارات واعية تكشف عن دواخل الشخصيات وافكارها مثل (الاستاذ منير الجميلي، عزيز الشيخ) ويزج الروائي بشخصيات من الواقع لتطعيم السرد وجعله اكثر صدقا (عرف بعد انتهاء التعداد أن جاره شاعر يدعى حسين مردان، كما تعرف ضحى نهاره الأول في المعتقل على رجل آخر يدعى محمد شبر..أخبره محمد أن عليه أن يفتخر هو وزملاؤه لأنهم الآن معتقلين مع.. كامل الجادرجي والشاعر محمد الجواهري، وحسين جميل...هناك عثرت عينا سهيل السماوي على ثلاث فتيات ينتظرن دورهن بالمحاكمة، نادوا على أولاهن بأسم سافرة جميل حافظ)ص113 .وهناك الشيوعيون في سجن بعقوبة (عزيز محمد،حميد عثمان، ارا خاجلدور، زكي خيري، عزيز الحاج، هادي هاشم، مهدي حميد، مكرم الطلباني، طالب عبد الجبار، عمر الشيخ،قاسم التاجي، جاسم نصيف، حيدر حاتم) واخرون مثل يهودا صديق حزقيل صديق
حبكة روائية هي (لقاء الجمعة) وقد اتخذ كل فصل فيها عنوانا يتحدث فيه سهيل للروائي عن سيرته الذاتية ، وعن اهتزاز البنيان الاجتماعي والاقتصادي عندما يهتز البنيان السياسي! وهذا ما يقوله عزيز الشيخ لسهيل نجم في المعتقل "أن الحكومة العراقية مثلما الآن تعاني من الأفلاس السياسي، فإنها تعاني ايضا من الانهيار الاقتصادي، لذا فهي بحاجة إلى أي إيراد، يمكنها من أطالة عمر ميزانيتها المهددة بالانقراض"ص112 ، هل الروائي حامد فاضل يتحدث عن العهد الملكي او عن الوقت الحاضر!؟

لقد اجاد الروائي "حامد فاضل" في تقديم مرحلة مهمة من تاريخ العراق (1948-1958) لكن السرد يغطي قبل وبعد هذه المدة المحددة امتدادا الى الوقت الحاضر ، بنية السرد التي اعتمدها الروائي لا تخلو من الشاعرية ، هو يحلق في البناء السردي ليصل الى فضاءات وأفاق متجددة ، هي رواية تحمل عبق الزمان والمكان لتغني مضمون الشخصيات الروائية على الرغم من السيطرة المطلقة للشخصية الرئيسة في الرواية (سهيل نجم السماوي) الذي يتضح بأنه هو نفسه ( جابر عثرات الروائيين) -ترى إلى أي فئة ينتمي هذا الذي يسمي نفسه جابر عثرات الروائيين؟وجاءني الجواب سريعا..قطع جابر العثرات سلسلة أسئلتي بسؤاله الذي ظهر في نافذة الدردشة: - وهل اعجبتك؟/ - الحقيقة هي رواية جيدة/ - إذن يمكنك نشرها باسمك/ - وماذا عن حاسوبي الذي عندك\- ستجده صباح غد معلقا في جذع النخلة الشامخة قدام مطعم فلسطين..وسترى صورتي وتعرف اسمي/ كانت دقيقته بطول عمر نوح، قبل أن تنتهي بتحليق اسم الخالق من فمي:- الله

صرخت وفتحت عيني على سعتهما، وأنا أحدق غير مصدق بصورة سهيل السماوي"ص216

بهذه النهاية يكون السارد هو نفسه صاحب المذكرات والذكريات التي كتبها الروائي على حاسوبه المفقود! وقد يكون الحاسوب قد انتقل الى البطل من دون ان يعرف الروائي كيف واين .؟

*الجانب التوثيقي

حينما يرتبط السرد بصاحب التجربة وتتداخل التجربة بما يسمى (الاحتراق الداخلي) تكون الرواية مكشوفة للمتلقي لأنها تمثل الشفافية، لا غموض ولا تعقيد انها البساطة في التعبير والسهل الممتنع، ويشعر القارئ بمصداقية الروائي لأنه صادقا في التعامل مع الذات والعالم الخارجي لتكون روايته في هذا المستوى من الدهشة !

هو- الروائي- مخلص جدا للصور اليومية التي يشاهدها وبالتالي يرصد ابعادها الاقتصادية والاجتماعية ويخزنها ويسجلها بالسرد ليجعل المتلقي كأنه يسير معه في ذلك المكان او الشارع وهذا هو الجانب الواقعي من هذه الرواية ، وهو بنفس الوقت توثيق الواقع بشكل فني خلاق "لوحة الصباح هي اللوحة نفسها المعلقة على جدار ذاكرتي. عمال البناء، بائعات القيمر، بائعة الخبز، بائع الشاي، الذي ما يزال محافظا على وحدة جسمه، رغم انفراط عقد الوحدات السياسية، صباغو الأحذية الصبيان الذين تركوا المدارس، الاطفال الذين احترفوا الاستجداء، عربتا بائعي حساء العدس والكبة، مطعم فلسطين- التي لم تتحرر- يوم كان العرب غير هؤلاء العرب، حصان الحوذي، نار الزبالين، باعة الخضار، باعة الفاكهة، باعة السمك، وأنا تحت سماء تعصر ثياب الشتاء"ص17.

المرأة في الرواية

موضوع الرواية جعل ظهور المرأة بشكل محدود، لأن اغلب المشاهد في امكنة لا يتواجد فيها الا الرجال (السجون) ولكن هذا الظهور النادر للمرأة كان يمثل نموذجا ايجابيا، فلجأ احيانا الروائي الى الاحلام واسترجاع الذكريات لتعويض هذا الفراغ "اختفى السجناء من عيني سهيل وحلت ساره محلهم. جلست إلى جنبه. أراحت رأسها على وسادة كتفه. طوق جسدها بذراعه. أغمض عينيها. تجلت مرآة الصبا.هبت ريح الصبا.انفتحت خزانة الأيام الحلوة..انضمت ساره إلى سرب حبارى مهاجر إلى شعاب بصية. تحول سهيل إلى صقر، وسعى للحاق بها، كان يحلم بالوصول إلى موطن الطفولة والصبا، لكن حلمه بتر بنصل توقف الباص، ليجد نفسه بين رفاقه، والأغلال تطوق خصره ورجليه"ص175، وفي محاورة ذكية ين الدليل البدوي الذي ركب مع السجناء للوصول الى معتقل نقرة السلمان "أشار إليهما الدليل:- ها قد وصلنا الى النهدين/ دهش السجناء من تشبيه الدليل للتلين، لكنهم اثنو عليه حين مروا بحذائهما، فقد كان التلان مكورين متوجين بقمتين بارزتين كحلمتين في صدر فتاة ناهد./ ختمت مداعبة عيون السجناء للنهدين بالوصول الى الفرج وهو المفرق الذي يبعد 5كم عن الطريق الصحراوي المؤدي إلى مرآة الرمل المقعرة المعروفة بأسم نقرة السلمان."ص181

الخاتمة

رواية (لقاء الجمعة) من الروايات السياسية الناجحة لوجود الحس الوطني والتقدمي في جميع مفاصل السرد، وتكشف الوجه الحقيقي للنظام الملكي بالعراق، ونجح الروائي حامد فاضل في ان يخلط بين السيرة الذاتية والرواية في شكل يتخذ إطاره المرجعي من الواقع نفسه. رواية تستحق الاهتمام.

- من كتاب للمؤلف (قيد الانجاز) بعنوان: ملامح الشخصيات في الروايات العراقية

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة