آخر الأخبار

السرطان ومخلفات الحروب تدمر صحة المواطنين

كتب/كرم سعدي


ترتفع نسبة الإصابات بأمراض السرطان في العراق، في ظل كثرة الحروب التي شهدتها البلاد، خصوصاً حربي الخليج والغزو الأميركي، واستخدام أسلحة خطرة. وإضافة إلى الأمراض، تكثر التشوهات الخلقية.

تتصدّر مدينتا الفلوجة والبصرة، غرب العراق وجنوبه، عدد المصابين بأمراض السرطان والتشوهات الخلقية لدى الرضّع. وتفيد تقارير رسمية عدة وأخرى تابعة لجهات إعلامية ومدنية محلية ودولية بأن مخلفات الحروب تعدّ السبب الأساسي لانتشار أمراض السرطان والتشوهات الخلقية. يحاول يوسف الزوبعي التأقلم مع وضعه كونه "كبير عزاب العشيرة"، كما يطلق عليه أبناء عمومته. وبات اللقب ملازماً له؛ فهو الأول بين ذكور قريته القائمة في الضواحي الشرقية لمحافظة الأنبار غربي العراق، الذي يبلغ الثلاثين من العمر من دون زواج. الخوف من إنجاب أطفال مشوهين جعله يخشى الزواج، إذ إن إنجاب أطفال مشوهين أصبح هاجساً يؤرقه. ويسألنا: "ما ذنب هؤلاء الذين يولدون من صلبي أن يكونوا مشوهين، ومعوقين، مثل كثيرين يولدون اليوم؟". 

ويقول الزوبعي إن العديد من أفراد أسرته (أشقائه وأبناء عمه) أنجبوا أطفالاً مشوهين نتيجة تعرضهم لإشعاعات، مضيفاً: "قصفت منطقتنا الواقعة بين حي الجولان ودور السكك في الفلوجة إلى الشمال من المدينة بكميات كبيرة من الصواريخ والقنابل من قبل القوات الأميركية التي كانت تواجه المقاومة أثناء غزو العراق بين عامي 2003 و2006".

وبحسب تقارير صادرة عن وزارتَي الصحة والبيئة، فإن المعدل السنوي للإصابة بأمراض السرطان في العراق يبلغ 2500 حالة إصابة كل عام، لكن الواقع يشير إلى أكثر من ذلك بكثير، إذ إن عدد مرضى السرطان في المستشفيات كبير، وذلك نتيجة الحروب.

ولا تملك الجهات الرسميّة المتخصصة في العراق أرقاماً دقيقة لعدد مرضى السرطان. إلا أن بعض التقارير الدولية تتحدث عن أعداد مرتفعة. على سبيل المثال، سجلت محافظة البصرة وحدها أكثر من ألف إصابة بالسرطان العام الماضي، بينما سجلت الفلوجة أرقاماً أعلى. ومن شأن الحروب أن تؤدي إلى أضرار بيئية وصحية في المنطقة، وقد شهدت البلاد حروباً كثيرة على مرّ السنوات. 

لدى العقيد المتقاعد الذي شارك في الحرب العراقية الإيرانية (1980ــ 1988) علي الطائي، خبرة واسعة في مجال الأسلحة وتأثيرها على الناس. يقول، إن سكان مناطق حدودية عدة مع إيران كانوا أكثر تعرضاً للإصابة بأمراض السرطان نتيجة استنشاقهم مواد سامة. ويؤكد أنّه ما زال لمخلفات الحروب تأثير سلبي على صحة الإنسان، على الرغم من مرور 32 عاماً على انتهاء الحرب. ويوضح أن ما ألقته الطائرات الأميركية بين عامي 2003 و2005 خلال المعارك في العراق، ما زال يفتك بالناس، خصوصاً في مدن مثل الفلوجة وتلعفر والقائم والرمادي والحويجة وديالى وضواحي سامراء.

ويتحدّث الطائي عن مواد سامة استخدمت خلال المعارك والقصف الجوي، منها الفوسفور الأبيض الذي تسرّب إلى داخل التربة والمياه الجوفية، وتحوّلت لاحقاً إلى مناطق آمنة شهدت تشييد بيوت واستصلاح أراض زراعية. يضيف: "الفوسفور الأبيض مدمّر لصحة الإنسان والحيوانات والنباتات. أتحدث عن مناطق حدودية في البصرة وميسان وواسط وذي قار (جنوب) وديالى (شرق)".

ومنذ سبتمبر/ أيلول الماضي، أطلق ناشطون وسم #سرطان_الناصرية على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل ارتفاع نسبة أمراض السرطان في محافظة الناصرية الواقعة جنوبي البلاد، والتي شهدت معارك أيضاً. وتبعد محافظة الناصرية 387 كيلومتراً جنوب العاصمة بغداد، ويسكنها اكثر من 1.5 مليون نسمة، وتسجل 7500 إصابة بالسرطان، وفق تصريحات رسمية.

إلا أن انتشار الوسم على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعد دليلاً فقط على ارتفاع عدد الإصابات. فالهدف منه لفت انتباه الجهات الحكومية والعالم لما يعانيه السكان في هذه المحافظة من تردي الخدمات الصحية، وعدم وجود مستشفيات كافية لاستقبال وعلاج مرضى السرطان، بحسب الطبيب المتخصص في أمراض الدم حسن السعدي، الذي يقول، إن أمراض السرطان تنتشر في مختلف المحافظات العراقية بشكل كبير، موضحاً أن "ما يعانيه البلد هو نقص في الخدمات والمراكز الصحية". يضيف: "لا توجد مستشفيات متخصصة كافية، وما هو متوفر يغطي أقل من 20 في المائة من الحاجة الفعلية".

يقول السعدي إن "المناطق الأكثر عرضة للإصابة بالسرطان هي محافظة الأنبار غرب البلاد، وقضاء الفلوجة التابع لها والبصرة، عازياً السبب إلى مخلفات الحرب وما ألقاه الأميركيون من مواد كيميائية سامة، والتي أدت أيضاً إلى كثرة التشوهات الخلقية للمواليد الجدد".

ويُعاني نظام الرعاية الصحية في العراق أزمة كبيرة نتيجة نقص الأدوية والكادر الطبي، بعدما غادر آلاف الأطباء والمتخصصين البلاد خلال السنوات الماضية نتيجة استهدافهم وعدم استقرارهم. يأتي ذلك إلى جانب عدم إيلاء الحكومة الاهتمام اللازم بالقطاع الصحي. ففي عام 2019 على سبيل المثال، الذي شهد هدوءاً نسبياً، خصصت الحكومة 2.5 في المائة فقط من موازنة الدولة البالغة 106.5 مليارات دولار لوزارتَي الصحة والبيئة. وهذا مبلغ ضئيل مقارنة بما يتم إنفاقه في دول أخرى بالشرق الأوسط.

في مدينة الفلوجة التي تتبع لمحافظة الأنبار، يسكن أكثر من 275 ألف مواطن بحسب تعداد يعود لعام 2011. ويقول سكان هذه المدينة إنها بحاجة لبناء أكبر مستشفى لأمراض السرطان في العراق. ودارت في الفلوجة معركتان ضاريتان بين القوات الأميركية والمقاومة العراقية في عام 2004، الأولى بين 4 إبريل/ نيسان والأول من مايو/ أيار، والثانية بين 7 نوفمبر/ تشرين الثاني و23 ديسمبر/ كانون الأول، ألقت القوات الأميركية خلالهما آلاف الأطنان من الصواريخ والقنابل.

وبحسب كتاب صادر عن منظمة المجتمع العلمي العربي "أرسكو"، عام 2015، يتضمن المضاعفات الصحية للتلوث الإشعاعي الذي نجم عن حربي الخليج 1991 و2003 وما تلاها، فإن مجموع ما ألقته القوات الأميركية على بعض المناطق من اليورانيوم المنضب يعادل 250 قنبلة ذرية.

الحربان، بحسب الكتاب، تركتا إرثاً وخيماً على صحة المدنيين العراقيين بشكل عام، وزيادة في أمراض السرطان والتشوهات الخلقية لدى المواليد بشكل خاص، مؤكداً استخدام أسلحة محرمة دولياً مثل اليورانيوم المنضب.

ولا يقتصر الأمر على اليورانيوم المنضب فحسب، بل استُخدمت أنواع عدة من الملوثات في تلك الحروب كان لها أبلغ الأثر على البيئة وصحة أهالي المنطقة. ويذكر أن "ثمة أدلة قاطعة على أن استخدام اليورانيوم المنضب هو سبب الزيادة الكبيرة في حالات الإصابة بأمراض السرطان في العراق، مثل سرطان الدم لدى الأطفال وسرطان الثدي لدى النساء في بعض مناطق العراق بعد حرب 1991 وخلال احتلال العراق عام 2003 وما بعده. وتشير الإحصائيات إلى زيادة كبيرة في التشوهات الخلقية لدى حديثي الولادة في المناطق القريبة من ساحات المعارك.

ولا توجد أرقام رسمية معتمدة يمكن الإشارة إليها. ويرفض مسؤولون في وزارتَي الصحة والبيئة الحديث عن الموضوع، مؤكدين أنهم غير مخولين بالحديث لوسائل الإعلام والكشف عن الأرقام وتفاصيل أخرى حول التشوهات الخلقية. لكن ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي ينشرون الكثير من الصور التي تظهر هذه التشوهات. وأخيراً، باتت النساء أكثر حرصاً على إجراء فحوصات تظهر إن كان الجنين مشوهاً أو لا.  

كريم حمادي، وهو من محافظة البصرة، أنجب طفلاً يعاني ضموراً في الأطراف في عام 2010، وذلك بسبب تعرّض الأم لإشعاعات نتيجة الحرب عام 2003، كما قال أطباء. وأخيراً، عرفت الأم أنها حامل بطفل آخر، لكن الطبيب أخبرها بأن الجنين يعاني من تشوهات، فقرر الثنائي إجهاضه.

من جهته، يقول الطبيب أحمد عباس إن التشوهات الخلقية لدى المواليد الجدد تكاد تكون سمة مشتركة بين المدن التي شهدت حروباً وقصفاً أميركياً. يضيف: "السرطان منتشر بين السكان في الفلوجة، خصوصاً سرطان الثدي، وهناك صور مؤلمة لا يحتملها إنسان. من حق العراق طلب تعويضات من الأميركيين لأن كل الدلائل تشير إلى أن ما ألقوه من قنابل خبيثة هو سبب ما تعيشه هذه المدينة ومدن أخرى". ويلفت إلى أن البنية التحتية للقطاع الصحي العراقي غير مؤهلة لمواجهة هذه المشكلة، ولا توجد في العراق مراكز أبحاث أو دراسات أو مستشفى تخصصي يعتمد بروتوكولاً عالمياً لمواجهة الأزمة، وتكتفي وزارة البيئة بالتفرج ونسخ ما تصدره منظمات دولية ونشره بين الحين والآخر".

تجدر الإشارة إلى أنّ العلاج الكيميائي الخاص بمرض السرطان مكلف جداً، ويكرّر مسؤولون في وزارة الصحة أنّ إمكانياتها المادية لا تسمح لها بتوفير العلاج الكامل للمصابين بالسرطان مجاناً، ما يفرض على كثيرين التكفّل بعلاجهم على نفقتهم الخاصة.

وفي تقرير أصدره ديوان الرقابة المالية الاتحادي في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018، لتقويم أداء سياسة وزارتَي الصحة والبيئة في توفير المستلزمات الضرورية للكشف المبكر عن الأمراض السرطانية، وردت إشارة إلى ارتفاع في معدّلات الإصابة بالسرطان نظراً إلى عدم توفر المتطلبات الكافية للكشف المبكر عنه والحدّ منه. ويوضح التقرير أنّ من بين أبرز المشاكل التي تتسبب في زيادة عدد المصابين بالمرض قلّة عدد الكوادر الطبية والأجهزة المتخصصة، بالإضافة إلى عدم امتلاك الوزارة رؤية واضحة لتحديد المتطلبات التي تستوجبها الخدمة العامة في هذا المجال. وأوضح التقرير أنّ نسبة الوفيات جرّاء مرض السرطان في العراق بلغت 10 في المائة من مجموع الوفيات التي تتسبب فيها الأمراض غير السارية.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة