د. زينب ساطع
حين كنت في الابتدائية، كانت لدينا معلمة حسناء، شابة ورقيقة وكانت تأتينا في مادة العلوم.. كانت تشرح لنا المادة بطريقة جميلة، فكانت تصور لنا الأمثلة مثل القصص فحكت لنا مرة وقالت:
في قديم الزمان حبس الناس شخصاً، وصاروا لمدة شهر كامل لا يعطونه سوى الدجاج المشوي ثلاث مرات باليوم .. وبعد مرور الشهر ملّ الرجل هذا الطعام المتكرر، وصار لا يأكلها حتى وهو جائع.. وكانت تريد بتلك الحكاية أن تقول: ( ان الجسم يحتاج إلى التنوع بالأكل من لحوم وحنطة وسكر وسوائل)..
وفي درس آخر، حكت لنا:
إن فلاحا نثر بذورا في أرضه وأثناء النثر طارت بذرة وحيدة في مكان بعيد عن أخواتها فأثمرت البذور إلا هذه البذرة .. لأنها بذرة مسكينة لم يصلها الماء لتنمو.
وكانت تريد بذلك أن تقول: إن البذرة تحتاج لأرض وسقي واهتمام..
وفي موضوع اللؤلؤ قالت لنا:
إن اللؤلؤ يتكون في البحر، حين تدخل ذرة رمل في صدفة المحار فيظنها المحار عدوا، فيقوم بإفراز مواد على الحبة حتى يقيدها، وبالتالي وبعد تلك العملية تتكون طبقات من الافرازات حتى تصبح الرملة لؤلؤة .. وبعد ذلك يقوم البحارة بالغوص واستخراج المحار وفتح الصدفات واستخراج اللؤلؤ وقد يجدون في الصدفة لؤلؤة واحدة وقد يجدون عشرة وقد لا يجدون ..
لو طبقنا على افتراض جدلي وغير محقق هذه القصة على حياتنا نحن البشر، لوجدنا إن حياتنا تشبه حبات الرمل التي دخلت مكاناً صغيرا ليس عالمها في البحر الواسع وأضاعت على نفسها فرصة السباحة والحرية، ووجدنا نفسنا في هذه الحياة وقد رُميت علينا المتاعب وفُرضت علينا عنوة..
لكن في النهاية هذه المتاعب هي التي تجعل من المرء درة مميزة وغالية.. درة يتمناها جميع المُقدرين للنفائس والمحبين للجواهر، بينما الناس التي خلت من الاخلاق يبقون بشرا اعتياديين، رمال رخيصة ترمى مع صدفات المحار الخاوي.. أقصد تذهب مع المتاعب والمشاكل التي سببتها.. وهذا الأمر يذكرني بكلام مميز للفيلسوف البريطاني جون ستيوارت مل حين قال:
( يولد العقل كصفحة بيضاء، ومن ثم تأتي التجربة لتنقش عليه ماتشاء.. لهذا فإن الخطر الرئيسي هو قلة من يجرؤون على أن يكونوا مختلفين)..
لهذا كن شخصا غالياً بأخلاقك، متميزا ببريقك، عاليا بتواضعك، تاركا أثرا طيبا لتنطبق عليك عبارة (درة مالت البحر) عفوا، أقصد: (درة مالت الله) ..

تعليقات
إرسال تعليق