عدان سمير دهيرب/ نقلا عن جريدة الزوراء
تقترن المصداقية في معالجة القضايا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية التي تواجه الدولة و المجتمع، من خلال تحديد الأسباب وفق خطوات علمية وشفافة للوصول الى الحقيقة دون مزايدات وشعارات تغطي على المصالح والأهواء الحزبية والشخصية وتسويق خطاب الجهة الممولة لاسيما في وسائل الاعلام التي تُعد أحد روافد تشكيل إتجاهات الرأي العام.
والمصداقية تتحقق من خلال المهنية الموضوعية في تناول تلك القضايا التي تشكل تحدياً للدولة و المجتمع بإتاحة الفرصة للآراء المتعددة للوصول الى الحقيقة التي غدت شبه غائبة مع تعدد المرجعيات و طغيان المصالح والأهواء لقوى سياسية وتقليدية مؤثرة، فيما تسود الاثارة والإلهاء بقضايا ثانوية، من دون ذكر الأسباب والجهات المتهمة بقضايا جوهرية كالفساد مثلاً الذي أصبح أحد أهم المعضلات التي تواجه الدولة و إنعكاسه على المجتمع . وقد طال هذا الإتهام وسائل الاعلام ، إذ أن أهم مورد لدينامية الوسيلة هو الاعلان، و المتابع لتلك الوسائل لاسيما القنوات الفضائية ، تفتقر الى الاعلانات بالرغم من النمو الاقتصادي.
والأموال الطائلة التي تضخها الدولة للمشاريع الاستثمارية و الاموال المليارية التي يملكها القطاع الخاص.
إن ذلك العدد الكبير من القنوات الفضائية يفرض سؤالاً حول جهة التمويل؟ وجُلها وسائل تابعة للاحزاب، بالاضافة الى القطاع الخاص، وكيفية تناولها لمعضلة الفساد المتفشي إذا كانت مرجعياتها متهمة بالفساد والنهب من المال العام؟ هل تستطيع معالجة هذا المرض الذي أصاب جسد المؤسسات وأصبح علامة متوارثة للحكومات منذ تغيير النظام السياسي؟ وثمة سؤال آخر : هل التوسع بعدد وسائل الاعلام يؤدي دوراً رقابياً لمساءلة السلطات لتأكيد المصداقية والحقيقة والولاء للمواطن بوصفها عناصر رئيسة للصحافة والاعلام، أم أن تلك الوسائل هي مجرد أدوات لتحقيق غايات سياسية تهدف الى التأثير على إتجاهات الجمهور، فيما الوسائل الاعلامية الخاصة تسعى الى الإثارة والاستغلال وإختلاقها للخلافات الكاذبة التي لم تعد تثير المتلقي، لاسيما أن تلك الجهات المتهمة غدت تتسم بالشراهة من خلال تمسكها بالسلطة وإستغلالها للحصول على المال، والطريقان يؤديان الى الهيمنة على جمهور يعاني من نقص حاجاته الأساسية.. بصيغة أخرى إن وسائل الاعلام أصبحت إمتدادا لنهج وسلوك تلك الجهات المتهمة بالفساد . فليس ثمة وسيلة تناولت هذه القضية إستقصائياً إلاَ نادراً، لأسباب تتعلق بالتواطؤ وعدم سن قانون حق الحصول على المعلومة، إضافة الى التهديد الذي يواجهه الصحفي من الجهة المتهمة أو (الطرف الثالث) والافلات من العقاب، وخضوع العاملين في تلك المؤسسات الى توجيهات الجهة الممولة و الالتزام بخطابها الذي يتبدل حسب المصالح والخلافات التي تنشب بين تلك الاحزاب والحركات السياسية.
وقد أسهم هذا العامل في إبتعاد فئة الأوليغارشية الحاكمة عن الجمهور، إثر كشف الانحرافات وإتهام الطبقة السياسية المتنفذة الماسكة للسلطة بالفساد وعدم تحقيق الاصلاح وفق قواعد تنسجم مع متغيرات النظام الجديد. و إستمرار تناولها في برامج حوارية متشابهة في الشكل والمضمون مع ذات الأفراد الذين ينتقلون بين القنوات لإطلاق التأويلات الفاقدة للمعلومة لا التحليلات الناضجة التي تشيع الوعي و كشف الغاطس، في واقع غارق بالتحديات، إذ أن معظم هؤلاء يشكلون الوجه الآخر أو أدوات لتسويق خطاب أحزاب السلطة الى الجمهور، إضافة الى أن لكل وسيلة إعلام أجندة تحددها الايديولوجيا والمال السياسي. فيما ظهرت برامج تقترن بأسماء مقدميها الذي يلغي دور العاملين في إعداد البرنامج، ويسيطر على رأي الضيف الذي يتماهى مع رأي المقدم خشية عدم إستضافته لبرنامج المقدم الذي اكتسب الدعاية والشهرة بين الجمهور من خلال مداخلاته المثيرة والجريئة و مقدمته الطويلة مع بدء البرنامج والتي تكشف عن رأيه بعيداً عن التوازن في تناول القضية المطروحة، وهو ما يؤكد الانحياز المسبق و إنسجامها مع أولويات القناة.
من جانب آخر تستفيد قنوات القطاع الخاص أو ما تسمى (المستقلة) من هامش الحرية في إطلاق الاتهامات والتلميح الى إستغلال قضية الفساد في مؤسسات الدولة، لتنتج تبادلاً (للرشى) بين المؤسستين، فضلاً عن عدم قدرة الاعلاميين مثلما يرى الباحث نبيل دجاني على تحمل مسؤوليتهم الأساسية كحراس للمواطنيين و لتكالبهم مع المسؤولين ومن وراءهم من فارضي العولمة على إجهاض دور الاعلام في تطور رأي عام يواجه الفساد السياسي و المال و إلهائه عن دعم المسيرة الاصلاحية والسعي نحو ديمقراطية صحيحة توفر المشاركة الشعبية في التنمية الوطنية.. لذلك فإن معالجة الفساد من قبل الجهات المختصة و بمشاركة وسائل الاعلام، يجب أن تبدأ من داخل تلك المؤسسات الاجتماعية، وهذه الأحاجي و قوى سياسية راسخة وسلوك لا يتبدل لاستغلال السلطة في خارطة ملوثة ليس يسيراً حلها لوقوعها بين الشراهة للمال وأخلاقيات المهنة. لكي تؤدي دورها وتصبح أدوات ساندة ورئيسة في كشف الحقيقة للقضاء على وباء وصفه رؤساء حكومات بالوجه الآخر للارهاب.
تعليقات
إرسال تعليق