رؤوس البصل

عدنان سمير دهيرب/ نقلاً عن جريدة الزمان الدولية




تزخر مدونات التاريخ بوقائع من الخلاف و الاختلاف غالباً, و الاتفاق أحياناً في القضايا الفكرية و الفقهية و السياسية التي انعكست على تفكير و سلوك الافراد و الجماعات, فيما وظفتها الانظمة السياسية بأشكالها المتنوعة, بما ينسجم مع برامجها في الحكم, بهدف الهيمنة على الوعي , و نثر بذور الانقسام للسيطرة على جمهور متعدد الولاءات و المرجعيات يتسم بالتعصب و يستدعي شعارات و صور الماضي و أرث التقاطع برفض التواصل.

و رغم دعوات و طروحات عدد من الأدباء و المفكرين التي انطلقت خلال مرحلة النهضة في بداية القرن الماضي, و مازالت لمعالجة تلك الخلافات و أصلاح الواقع , بضرورة الاستفادة من تجربة الغرب في عملية التقدم التي تجلت بالتطور العلمي و التقني, التراكم الفكري في بناء و تهذيب الانسان التي أنعكست على الاندماج المجتمعي للحفاظ على الهوية الوطنية , وفق نظام سياسي يتسم بالعدالة الاجتماعية و المساواة و احترام المعتقدات و حرية التفكير و التعبير عن الرأي .. بتطبيق الديمقراطية التي بدأنا وفق النظام الجديد بخطواتها الشكلية . تلك الدعوات و الافكار ترتطم ببنية أجتماعية مثقلة بنزعات الانقسام و التحريض على الانشقاق و تقويض التعايش بين إثنيات تتمترس خلف قوى مذهبية و عرقية و أخرى سياسية و اجتماعية تكرس الخلافات بعيداً عن ديناميات الاصلاح و التغيير لبيئة تكابد أستبداد الرأي و السلوك . ما أعاد أنتاج تيارات التعصب , و أفراداً يتشابهون في قناعاتهم و تنازعهم , الكل يخطئ الكل و يتطلع الى أقصائهم .

بلدي رؤوس كُلهُ / أريت مزرعة البصل (على الشرقي / ديوانه ص342)

رؤوس غارقة بالأوهام , معطلة , تتمسك  بالصراعات تحت ذرائع شتى , باحثون عن   الحياة الكريمة, و يتخلى جُلهم عن المسؤولية ليقذفها في رأس صنم صنعه بأرادته , كسول يبحث عن ذاته من خلال قوة الجماعة ليقع في فخ التبعية و التقييد باصفاد غير منظورة.

 لم يتغير الواقع , لأن ذات الافكار راسخة تتناسل في الرؤوس  , قانعة بتضليلها تستميل لرسائل الكذب و التزييف , ترفض رسائل العقل و الحقيقة , تميل الى النقد و التعميم وهي مسترخية بلا موقف.

هذا الأمر لا يتجلى في القضايا الاجتماعية و المذهبية و العرقية و انما في الحقل السياسي الذي ينعكس حتماُ على تلك القضايا التي تتداخل في تأثيرها على المجتمع , بعيداً عن الحوار الذي يأتي غالباً بعد نشوب الحرائق و القتل .

أن رصداً للواقع يشير الى وقوع 70 نزاعاً عشائرياً في الجنوب خلال اربعة اشهر , و آخر سياسي منغلق غابت عنه الموضوعية و حضرت التهديدات العلنية و المضمرة التي تقود الى الفوضى تتغذى على تلك الموروثات التاريخية, فيما عصابات الفتنة  تنفذ معارك يومية في مدن و قصبات لا تنفك تعيش الحرب و انعدام الاستقرار منذ أعوام . الكل يسعى الى الهيمنة بعيداً عن المصلحة العامة.

لذا تستيقظ تلك البنى والتقاليد مع الازمات, و أذا لم تأتِ , نعيش أزمة الذات المستلبة , لان المرء مثلما يرى المفكر الالماني أريك فروم يهتم بأعراض هذه الأزمة أكثر من إهتمامه بأسبابها , و الأزمة المعنية بالأمر هنا أزمة البنية الاجتماعية .

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال