التعايش الديني في العراق..إستكشاف لمدوّنات الرحالة الأجانب

 عدنان سمير دهيرب / نقلاً عن جريدة الزمان الدولية




مازالت مدونات الرحالة المستشرقين الى العراق و عموم الشرق الاوسط ، تشكل مصدراً مهماً للباحثين في دراسة المجتمعات و الدول ، و العوامل المؤثرة في بنية تلك المجتمعات . ويعتمد الرحالة في كتاباتهم حول الكائن و البيئة على دراسات ميدانية أنثروبولوجية أدواتها الملاحظة و المتابعة لسلوكيات الافراد إزاء الاحداث و الوقائع ، ومدى أثر المشتركات بين الافراد على تلك السلوكيات .

و لان الدين يعُد احد اهم المؤثرات في بنية المجتمع، لذلك تناول هؤلاء الرحالة الذين زاروا العراق خلال القرون الخمسة المنصرمة بمزيد من الوصف و قليل من التحليل الواقع الاجتماعي والديني في ولايات العراق الرئيسة هي بغداد و الموصل والبصرة بوصفها مدن ادارية وتجارية تضم فئات أجتماعية متعددة و هويات دينية و مذهبية و عرقية مختلفة إنماز المجتمع العراقي تأيخياً بها .

رحلات إستكشافية

هذا التنوع و مدى التعايش والتكاره بين تلك الاديان والقوميات دونه الرحلة الاوربيين باختلاف جنسياتهم ، تلك الكتابات و الرحلات الاستكشافية او الدعائية ، هي مؤشرات لدولهم في كيفية التعامل مع المجتمعات في مراحل أتسمت بالغزوات والاستعمار لدول شرق اوسطية أقترنت بالنهضة للمجتمع الاوربي و التطور الصناعي الذي يبحث عن المادة الاولية و الاسواق اللذين تشكلان مدخلات و مخرجات الصناعة الاوربية. غير ان الدكتور منتصر حسن دهيرب في مؤلفه الجديد (التعايش الديني في العراق دراسة في أحوال المجتمع من خلال كتب الرحلات) الصادر عن دار مسامير و بواقع 160 صفحة من الحجم المتوسط تناول التعايش الديني خلال الاحتلال العثماني للعراق، و ما دونه الرحالة حول هذا المحور الذي يعُد معياراً لمدى الاستقرار او الاضطراب في البلد ، الذي شهد صراعات كثيرة لاسيما الطائفية منها قبل الاحتلال العثماني والتدخلات الخارجية التي تعمد الى حرث الخلافات وتعميق الانقسامات بهدف الهيمنة والسيطرة على مجتمع غارق بالتخلف والجهل .

و يرى المؤلف ان النزعة الدينية الممزوجة بالعشائرية هي المحرك والموجه للجماعات في العراق ، لذا من البديهي ان تكون النزعات و التوجهات الدينية هي الشارخة لوحدة أي تجمعات انسانية ، لانها نزعة إحادية طائفية، ولكن هناك في الوقت عينه نزعة للتعايش فرضها الواقع الانساني، و هو ما لمسة الرحالة الاجانب في رحلاتهم الى العراق .

بمعنى ان الانسان أستثمر النزعة الانسانية في الدين مثلما يرى المفكر عبد الجبار الرفاعي في السلوكيات الاجتماعية و عدم الأخذ بالتفسيرات الخلافية للنصوص الدينية ، تلك النزعة الانسانية تُعد جوهر الدين ومدخلاً للتعايش في المجتمعات متعددة الاديان كالمجتمع العراقي.

و قد قسم الكتاب الى فصول الاول التعايش في مدينة بغداد في كتب الرحلات من 1573- 1875 و الفصل الثاني التعايش الديني في مدينة الموصل فيما تناول الفصل الثالث التعايش في مدينة البصرة 1580-1797  والفصل الرابع هو أزمة تشكيل الهوية الوطنية العراقية خلال فترة السيطرة العثمانية . و قد تناول أبرز ما ذكره الرحالة ديللا فاليه و سبستياني و ليوناردو الكرملي و نيبور و اولفييه وجاكسون و دوبريه و المنشي البغدادي و فريزر و اينهولت وبيري فوك و قد وزع ماكتبه الرحالة على مدى ثلاثة قرون من الحكم العثماني، و وجد ان فكرة التعايش الديني حاضرة بقوة في بغداد خلال الحقب الزمنية المختلفة ، وان التشديد او الانفتاح الحكومي كان يختلف عن التواصل و التعايش الشعبي ، فالبغداديون لم يميزوا بين أقليات الاديان او يميزوهم بل تعايشوا معهم بحرية تامة.

والمتغير في تعامل السلطة مع تلك الأقليات لاسيما المسيحية منها يخضع لمزاج الوالي وحاشيته ، لان الوالي لم يكن لديه إرتباط مباشر بالدولة العثمانية ، بل كانت هنالك إدارة شبه مستقلة لبغداد ، و بالذات في حقبة المماليك.

فيما لعب الموقع العراقي لمدينة البصرة دوراً مهماً في إنعاش وزياردة التعايش الديني ، فموقعها المطل على الخليج العربي و كثرة الوافدين عليهم ألزم الاهالي بالتعايش مع مختلف الملل و النحل الواردة الى المدينة .

ويرى الدكتور منتصر حسن ان أبتعاد الموصل عن الصراعات الدينية بين الصفويين والعثمانيين و عدم أحتلالها (صفوياً) كما هو الحال في بقية المدن العراقية (بغداد و البصرة) جعل المدينة أقل تطرفاً دينياً من بقية المناطق.

أسس الهوية

و تناول الفصل الرابع الاسس المفاهيمية للهوية ، إذ تناول الاسباب التي كانت عائقاً في تشكيل هوية وطنية جامعة ، فيما كان للهوية الفرعية حضوراً أكبر بل هي الغالبة في العراق ، و قد أكدها الملك فيصل الاول في رسالته الوثيقة الى الوزارء عام 1933 ، و مازالت الهوية الوطنية أحد التحديات التي تواجه المجتمع العراق.

أن أهميه الكتاب تكمن في تناوله محتوى جديد في الساحة البحثية ، إذ ان الباحثين تناولوا الجوانب السياسية و الاجتماعية والاقتصادية ، بيد انهم تغافلوا عن الكتابة في موضوعة التعايش الذي طرحه الرحالة ، كمرآة من الخارج لواقع اجتماعي – سياسي مازال يخضع للدراسة و البحث من الداخل و الخارج.

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال