إعتراف بتخدير شعب

عدنان سمير دهيرب/ نقلا عن جريدة (الزمان) الدولية




في الغالب تقدم السلطات التنفيذية و القضائية و الهيئات المستقلة و الرسمية حصادها في نهاية كل عام ، بما يتعلق بالمنجز إزاء المعاضل ، والاجراءات التي أتخذت . بيد إنها تكشف الوجه الاخر لما يجري في المجتمع ، و سلوكيات الافراد ، و التحديات التي تدب في الواقع ، لاسيما الظواهر منها ، التي لا ينبغي معالجتها بالسياقات التقليدية المباشرة ، و إنما الافادة من الجهات العلمية التي تتابع تلك المشكلات أمبيريقيا و نظرياً ، و انتاجها للبحوث و الدراسات التي تشخص الاسباب التي أدت الى استشراء تلك الظواهر ، أي ليس باستخدام القانون فقط ، و انما معالجة جذور المشكلة أيضاً ، لأن إهمال بدايات التلوث لا ينهي النهايات المرضية .

فقط نشرت خلال الايام الماضية نسب و ارقام من جهات معينة حول المخدرات التي أخذت تتفشى في المجتمع العراقي ، فقد بلغت نسب المتعاطين و المدمنين للمخدرات استناداً لبيان مجلس القضاء الاعلى في شهر أيلول الماضي ، أن نسبة الادمان بين الشباب العراقي بلغت 50% و ترتفع تلك النسبة الى 70% في الاحياء الفقيرة لاسيما ان احزمة الفقر للمدن مع انتشار العشوائيات او اقفاص الفقر المهملة بلغ اربعة الاف أي اكثر من عشرين الف  قفص أذا ما كان عدد أفراد الاسرة خمسة افراد … تلك الاقفاص تزخر بالبطالة و التهميش و الحرمان الذي يعد أحد الاسباب التي أسهمت بأنتشار المخدرات ليس في تلك البيئة و انما في بيئات أخرى ايضاً.

و هذه النسبة  أكدها ايضا وزير الداخلية قبل بضعة ايام وهي ان كانت اكثر او اقل ، فهي حقيقة مرعبة و صادمة تؤكدها الارقام إذ أن 11,789 ألف شخص موقوف ومحكوم على ذمة التحقيقات بقضايا تعاطي المخدرات و اخرى تتعلق بتجارتها خلال العام الحالي – رغم سرية تداول المخدرات استناداً لاعلان مفوضية حقوق الانسان في العراق و بيان مجلس القضاء الاعلى – ويتوزع دخول تلك المخدرات حسب نوعها الكريستال من أيران و الهيروين من تركيا والكبتاجون من سوريا ، و ان الاحصائيات تشير الى كمية المواد المخدرة الداخلة للعراق خلال أخر سنتين تزيد عن (30) ألف كغم . وتهدف الى ابقاء العراق معطلاً مخدراً سوقاً لبضائعهم الاستهلاكية و واطئة الجودة .

الثابت ان نسبة الشباب للفئات العمرية بين 15-35 تشكل 60% من المجتمع العراقي ووفق هذه المعطيات فأن 30% من الشعب مخدر ،  يعاني من التشوهات النفسية ، بسبب البطالة و الفقر والاحباط المتراكم و فقدان الامل الذي أفضى الى ارتفاع عدد المنتحرين الى 772 منتحراً في عام 2021 بزيادة بلغت 106 منتحر عن العام السابق . فضلاً عن نتائج أخرى ادى الى ارتفاع نسبة العنف الاسري و الجريمة المسلحة و الزنا بالمحارم و غيرها من الرذائل التي أخذت تقتحم المجتمع .

و ثمة اسباب اخرى أدت الى تفشي هذه الظاهرة يشير اليها عدد من المختصين ، تتعلق بعدم السيطرة على الحدود الدولية ، و تواطؤ قوى سياسية ومسلحة و شيوخ عشائر مع تجار تلك السموم من خلال حمايتهم  ومساعدتهم على عبور الحدود و ترويج بضاعتهم للأسهام بتخريب و أغتيال طاقات الشباب و الايغال بانحرافهم . أضافة الى صدور القانون الجديد للمخدرات رقم 50 لسنة 2017 في مادته 32 خفف عقوبة التعاطي الى جعلها جنحة عقوبتها الحبس من سنة واحدة الى سنتين و غرامة مالية تصل الى عشرة ملايين دينار فقط . فيما كان قانون المخدرات العراقي رقم 68 لسنة 1965 يعاقب بالسجن 15 سنة على تعاطي المخدرات ، التي لم تكن منتشرة  انذاك ، بل كان العراق ممراً الى دول اخرى .

و أذكر في عام 1993 القي القبض على تجار مخدرات يحملون الجنسية الاردنية بحوزتهم 800كغم من المخدرات ، القي القبض عليهم في اطراف بادية السماوة  قرب الحدود مع العربية السعودية متوجهين الى خارج العراق . و يبدوا أنهم يرتبطون بجهات نافذة في السلطة الاردنية ، إذ إتصل حينذاك ملك الاردن بالرئيس العراقي ، غير ان وساطته لم تشفع دون اعدامهم.

و إزاء هكذا انحدار ربما يتفاقم أكثر دون صياغة حلول تتعلق بضبط الحدود ، توفير فرص العمل ، الارتقاء بالواقع الاقتصادي ، معالجة تمدد الفقر و انتشار الحرمان و احياء الصناعة و الزراعة .

و التوعية بمخاطر المخدرات ، لجم و تطويق الفساد المالي ، و فتح منافذ أخرى للترفيه و التسلية مثلما كانت قبل الحملة الايمانية التي قادها (عبد الله المؤمن ) عام 1995 و كل القادة المؤمنين بعده ، و اصدار قوانين رادعة للمتاجرين و ليس المتعاطين الذين يعدون ضحايا بتوفير مراكز تأهيل تهدف الى اندماجهم بالمجتمع .

و بخلاف ذلك فأن السنوات القليلة القادمة ستشهد شعب نصفه مخدر ، و النصف الآخر مغبون لتشابه ايامه ((ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في نقصان ، ومن كان الى النقصان فالموت خير له من الحياة)) (الامام الكاظم (ع) ) ميزان الحكمة .

( صحفي واكاديمي)

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال