آخر الأخبار

الفساد والعصبية .. معركة مؤجلة (3-4)

عدنان سمير دهيرب - نقلا عن جريدة "الزمان" الدولية 



إثر استفحال الفساد المالي والاداري خلال الاعوام الماضية , وتسربه واستقراره في مؤسسات و دوائر الدولة , أخذ الكل يتحدث عنه , بدءاَ من الرئاسات الثلاثة الى نواب البرلمان وزعماء الاحزاب اللذين يرون فيه فسحة للدعاية والاسقاط والتمويه من خلال وسائل الاعلام , وأضحى الحديث عنه جزءاَ من برامج الدولة والاحزاب و قادة الرأي .

ومن فرط التصريحات وتداول الاحاديث و انتشار الشعارات حول هذا الداء دون استعمال الدواء , فقد الكلام معناه وجدواه , ولم تعد فضائح سرقة الاموال والموارد المسفوحة تثير المتلقي , بل أصبح غطاءاَ يشير الى الرثاثة التي أصابة الدولة التي يخترقها هذا الوباء الذي أنعكس على المجتمع والتنمية بكل أشكالها الانسانية والمادية بوصف الانسان الذي يعاني الحرمان رأسمالي اولي , وتراجع الجانب المادي الذي يؤمن الرفاهية والعيش الكريم للفرد و المجتمع , وبذلك أندحر الحكم الرشيد الذي يعرفه باحثون بأنه الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاه الانسان , ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية , ولاسيما بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقراَ و تهميشاَ.

إذ كشفت وزارة التخطيط العراقية عن نسبة الفقر في البلاد خلال الشهور المنصرمة 5/26 بالمائة من مجموع السكان فيما ذكر البنك الدولي أن خمسة ملايين مواطن مهددون بالفقر , وهذهِ النسبة العالية في بلد غني بالموارد البشرية والمادية بكل أنواعها ليست بالنفط فحسب وانما بالزراعة والصناعة و الموارد الطبيعية والاماكن السياحية و الدينية التي تؤمن الارتقاء بكل القطاعات و قبلها توفر الحاجات الانسانية التي يطالب الانسان بتأمينها .


أمن انساني

والدعوة الى تحقيق ما يطلق عليه ((الامن الانساني)) من خلال عدم تطويق الفرد وسلب سيادته الذاتية والتخلي عن اخصاء حريته التي توجب أطلاقها لاقترانها بالحق والنظام الديمقراطي الذي يدعوا اليه المجتمع ودستور الدولة , لتحقيق التنمية التي تعاني الركود جراء تراجع مسيرة الحكم الرشيد .

ونعتقد أن ذلك يعود الى العصبية المستقرة في مكونات المجتمع وتغلغلها في الدولة العراقية منذ تأسيسها قبل مئة عام , لتغدوا في الوقت الحاضر أحدى سماتها , العصبية التي يقول عنها محمد عابد الجابري هي رابطة اجتماعية – سيكولوجية واعية ولا واعية تربط أفراد جماعة ما, قائمة على القرابة ربطاَ مستمراَ يبرز و يشتد عندما يكون هناك خطر يهدد هؤلاء الافراد كأفراد او كجماعة . أما سيكولوجيا فتضاف رابطة العقيدة الى رابطة النسب … ذلك هو شأن العصبيات الحضرية الحديثة التي تقوم على العقيدة السياسية الحزبية ، التي لا ترتبط بالقوم  أو الجماعة فقط مع حصول متغيرات و احداث صادمة في المجتمع و انظمة الحكم التي سادت منذ ولادة الدولة . وانما  انتقلت الى كل الحركات السياسية والمؤسسات بهدف الكسب والحصول على المغانم , بناءاَ على الولاءات لا الكفاءات لتأمين الحماية للافراد المنضوين لتلك الاشكال من العصبية ( قبلية , طائفية , إثنية , معتقدية وسياسية ) أسهمت بتفكيك الدولة والمجتمع , لتتكئ على تلك الهويات الفرعية وتدحر الهوية الوطنية الجامعة القائمة على المواطنة والعدالة و المساواة التي يعززها ويطبقها النظام الديمقراطي الذي يواجه المعضلات , بسبب سيادة العصبية التي تتمسك بها وترفض التخلي عنها الاحزاب و المنظومات الاخرى التي تتشكل منها بنية المجتمع و الدولة .

ان اعتماد الولاءات كسياق وسلوك , أفقد الطاقات و الكفاءات قدرتها على العمل و الحضور ودينامية الابداع لتحقيق التنمية , مما أهدر أهم حقوق الانسان الذي يُعد أس البناء و النهوض وصناعة المستقبل من خلال شرف العمل و المهنة و استثمار الطاقات كي تكون مرجعاَ في التمييز و قيمة الانسان .

تلك الولاءات ضمن نظام العصبية التي تؤمن الحماية والتفويض بالحق في الاموال والمغانم وتفشي الفساد يعود الى العصبيات التي تتعامل مع الثروات الوطنية , كما كانت ” تتعامل القبائل البدوية مع مجالها الحيوي باعتباره مجرد مرعى وصراع على المرعى : الصراع على الكلأ و الماء . تتطاحن العصبيات على زيادة حصتها من الغنيمة ، وتوسع رقعتها من الكلأ والماء .

وحين تسود عصبية ما أو تكتب لها الغلبة لفترة ما فهي تسارع الى أخذ أكبر نصيب ممكن من الغنيمة ، إذ تعتبر ذلك فرصتها التي قد لا تدوم . ولذلك فهي تطلق العنان لذوي الولاء المضمون من اعضائها كي يجنوا من ثمار كروم الثروة الوطنية “(مصطفى حجازي , الانسان المهدور).

و الانكئ في عمليات النهب و الفساد هو قيام اللصوص المسورين بحماية العصبية بتحويل تلك الاموال المسروقة الى خارج الوطن المهدد بالصراعات و التسابق في ابتكار عمليات السطو للثروات , فالوطن يفتقد الى الامان و الضمان من وجهة نظرهم . و الحقيقة المعلنة هو تحويل مبلغ 150 مليار دولار الى خارج البلد مثلما يشير رئيس الجمهورية برهم صالح , غير الحقيقة المخفية التي تفوق هذا المبلغ . توزع السرقة بين الخارج و الداخل من مليارات أخرى على مدى ثمانية عشر عاماَ هو عمر النظام السياسي المنهوب ., القائم على العصبية بكل أشكالها السياسية و المذهبية و القومية و القبلية , التي أنشطرت الى عصبيات وولاءات و انتماءات لضمان وجودها و كيانها و مأسستها بما يلتقي مع توجهات مراجعها التي غدت رؤوساَ تتنافس فيما بينها و مع الدولة  التي أهملت الانسان و العمران في مدن تتشابه حد التماثل في ثنائيات الاهمال و السخط , الفساد و الخراب , العصبية والانغلاق .

يعيش المواطن فيما بين خطابات مختلفة , المواطنة  فيها مهدورة , وبيئة أمنة مفقودة بين التفجيرات والاغتيالات والهجرة لكل مناهض لتلك الايــديولوجيات و البنى العصبية . واذا ما شرع قانون استرادا عوائد الفساد المزمع تشريعه , هل يتم تفعيله ؟ أم تركه يتيه وسط خرائط من التفسيرات و العقبات التي تشكل مصدات لعملية التنفيذ من قبل زعماء العصبيات الذين يملكون أذرع التمكين و الصد , و افتعال الازمات السياسية و الامنــــــــية للإلهاء بقضايا تحول دون تحقيق الـــــــغرض , والوصول الى أهــــــداف الــــقانون جراء تشابك و تضامن الفاسدون في المعركــــــة المؤجــــلة ضدهم .

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة