آخر الأخبار

أبناء المثنى يستذكرون بطولات ثورة العشرين الوطنية الخالدة

كتب / أحمد الفرطوسي



نظمت عشائر المثنى مهرجانها السنوي بمناسبة الذكرى الـ101 لانطلاق شرارة ثورة العشرين الخالدة في مضيف الشيخ ناجح كامل آل غثيث (قبيلة الظوالم) التي رسمت ملامح المشهد السياسي للدولة العراقية. وكانت مدينة الرميثة معقل شرارة الثورة وانطلاقتها بأسلحة بسيطة كالبنادق القديمة والفالة والمكوار  لطرد الاستعمار البريطاني والاسهام بتأسيس الحكم الوطني في العراق في العام 1921.
وتعد ثورة العشرين على الرغم من عفويتها وعدم وجود قيادة موحدة لها وفارق السلاح ونوعيته بين الطرفين، أول ثورة عربية في الشرق تقوم ضد الاحتلال وقواته، وقد كبدت المحتلين خسائر قادتهم وغيرت نظرتهم للكيفية التي يجب أن يحكم بها العراق.
وتحدث الشيخ ناجح كامل غثيث آل حرجان (كاتب وباحث) عن الشرارة الأولى لثورة العشرين، قائلا :"كان الميجر ديلي حاكم لواء الديوانية السياسي من أشد الحكام البريطانيين وطأةً وبطشاً على الأهالي، وكان رؤساء عشائر الظوالم والأعاجيب وآل بوحسان وبني زريج، إضافة إلى العشائر المحيطة بمنطقة الرميثة، أقطاب التحالف الذي تمّ في كربلاء في 15 شعبان من عام 1920"، 
واضاف انه "بعد ان تلقى الميجر ديلي معلومات عن النجف والمشخاب وما يعقد فيها من اجتماعات سرية، وما يلقى فيها من خطب حماسية وقصائد شعرية مهيجة للرأي العام، قرّر البطش برؤساء القبائل في الديوانية، والرميثة، والسماوة، وعفك، والدغارة قبل أن يفاجئوا السلطة بعدائهم السافر".
وتابع غثيث "كتب الميجر ديلي إلى اللفتنانت هيآت نائب الحاكم السياسي في الرميثة، أن يستدعي زعماء الرميثة ومنهم الشيخ شعلان أبو الجون والشيخ غثيث حرجان، ويرسلهما إلى الديوانية مخفورين، وفي هذا الوقت كانت عشيرة الظوالم مجتمعة لبناء مضيف شيخهم غثيث آل حرجان، وكان معهم الشيخ شعلان، جاء مباركاً لبناء المضيف، فتزامن ذلك الوقت، مع مجيء شرطيين من قبل الضابط السياسي في الرميثة، يطلب حضورهما أمام الميجر ديلي .. فسأل شعلان، غثيث:" ما رأيك في هذا الطلب؟ وبماذا نواجه مكر هؤلاء ..، فأجابه غثيث قائلاً:" أذهب أنا معهما، وتبقى أنت لتخلصني من قبضتهم، لأنهم ينوون بنا الغدر والتنكيل، فردّ عليه شعلان بقوله:" أنا الذي سأذهب معهم لمواجهة الحاكم الإنجليزي وتبقى أنت لإنقاذي من السجن...فذهب شعلان إلى الرميثة قبل ظهر يوم الجمعة الموافق 29 حزيران 1920، وبرفقته أخوة الشيخ غثيث كل من (أبو عيون حرجان وجنحيت كاطع) ليتجليا الأمر، وعند وصوله الرميثة ومثوله أمام الضابط الإنجليزي، أمر باعتقاله واسمعه كلاماً قاسياً، لايمكن لرئيس قبيلة أن يتحمله، فطلب الشيخ شعلان من مرافقيه بطريقة الحسجة التي يتميز بها أبناء الفرات بعامة، والسماوة خاصة‘ "لغة مبطنة " (إرسلوا لي عشر ليرات ألمانية وملابس)، وكان يعني إرسال عشرة رجال أشداء يبذلون الدماء رخيصة لانتشاله من مخالب السجانة اللعناء".
اما الشيخ آمر جياد شعلان ابو الجون فقال "يمكن القول إن الحدث الوحيد في تاريخ العراق الحديث الذي يتغنى به العراقيون جميعا وبدون استثناء هو مقاومتهم للإنكليز وغزوهم العراق وصدهم له في موقعة الشعيبة، وكذلك حدث ثورة العشرين التي جاءت كتعبير واضح على أن شعب العراق شعب حي يرفض مبدأ الاحتلال الذي يمكن أن يكون المبرر الوحيد للمقاومة، فضلا عن المقدمات الأخرى لاسيما ممارسات الاحتلال ذاته.
وتمثل ثورة العشرين علامة فارقة في جبين العراق الحديث، ليس في انطلاقتها فحسب بل في دروسها وعِبرها التي كان للعلماء والمراجع الدور الكبير في وضع لبنة التحرر ضد الغزاة ومواجهة الطغاة ، وعلى الرغم من مرور مئة عام  على هذه الثورة الكبرى فمازال تاريخ الثلاثين من حزيران يشكل معلما ومنجزا وطنيا كبيرا صنعته السواعد العراقية دفاعا عن الوطن امام اطماع الغزاة.
وتبرز اهم اسرار بقاء هذا الحدث الوطني الكبير حيا في أذهان العراقيين تناقل أحداثه وبطولاته جيلا بعد جيل بكل افتخار وزهو وما زالت الأبحاث والمقالات والاطاريح الجامعية تعيش على أحداثه تحليلا ومعرفة.
اما استاذ مادة تاريخ العراق المعاصر في كلية التربية الانسانية بجامعة المثنى، الدكتور غانم نجيب عباس، فقال، انه "على مدى عقود من الزمن لم تخضع منطقة السماوة  خضوعا تاما ومباشرا لسلطات الحكمين الصفوي والعثماني، ومثلت منطقة اضطراب وثورات، إذ ان قبائل بني حجيم دائمة الثورة والتمرد ضد السلطات الحكومية، وكثيرا ما تعود الى السيطرة العشائرية على المدينة، مستفيدة من أوضاع عراقية قلقة، وبعد المدينة عن قلب الادارة العثمانية في العراق، وثقل الضرائب المفروضة على السكان وتعسف الجباة الذي وصل الى درجة فرض ضرائب ثقيلة على اشخاص تبين فيما بعد انهم لا يملكون شيئا يقاتلون عليه. 
واوضح ان "الحكومة العثمانية اجبرت على انتهاج سياسة بديلة للادارة المباشرة لتقيها من الخسائر المادية والبشرية، وتحفظ لها شيئا من هيبتها وسيادتها الرسمية في وسط عشائري ظل محتفظا بقوته ولم يأبه كثيرا بأي ادارة حكومية.
وبين ان "ما يدل على الضعف الاداري ان السماوة شهدت تبدل المسؤولين الاداريين والقائمين عليها، ففي سنة 1908 تم تبديل 33 قائممقاماً، ورغم غرابة هذا الرقم، الا ان ذلك الاستغراب يتبدد اذا علمنا ان بعض هؤلاء يرفض المهمة بمجرد تكليفه بالامر وهو لا يزال في بغداد فيتم تبديله  من دون ان يباشر عمله، واستمرت السماوة على هذه الحالة الى الحرب العالمية الاولى.
بدوره، قال الباحث الفلكلوري والشاعر زهير هادي الرميثي : "مثلت الاهزوجة الشعبية النموذج المبكر للشعر السياسي في العراق وقد مارست دورها المحرض في ثورة 1920 وخفقت في وجدان كل ثائر راية جامحة، وتفجرا وطنيا هز الذات الغاضبة.
واضاف ان دور الاهزوجة الشعبية (الهوسات) بدأ منذ الدقائق الاولى للثورة، حينما هجم الرجال الشجعان (الليرات العشر) واطلقوا سراح الشيخ شعلان ابو الجون فهزجوا:
الدولة تعرف عدهم خوش رسميات
ما تدري العراق شبي زلم آفات
من راحن فجر يمشن عشر تفكات
(فكو وتمدد ناطوره)
حيث مثلت الاهزوجة الشعبية في ثورة العشرين نسيج ملحمة شعرية لبطولة شعب وعظمة ثورته المسلحة بوجه المحتلين الانكليز عام 1920 والتي ظل صداها خالدا عبر الزمن.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة