آخر الأخبار

بين شارع ومدرسة الرشيد

 عدنان سمير دهيرب/نقلا عن جريدة الزمان الدولية


في مطلع الثمانينات من القرن الماضي ،كنا ثلة من الطلاب في قسم الاعلام / كلية الاداب ،يروق لنا دائماً السير على الاقدام في شارع الرشيد ،أصدقاء يجمعنا نقاء العلاقة ،وانسانية اللقاء والمشتركات البريئة .

جئنا من محافظات متعددة لنلتقي في قلب العراق المفعم بالحيوية والجمال ،بغداد التي أنشد لها الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد ونزار قباني والفيتوري وخليل حاوي وخليل خوري وغيرهم وقال فيها مصطفى جمال الدين:

لله انتِ فأي سرٍ خالدٍ

أن تسمني وغذاء روحك يضمرُ

أن تشبعي جوعاً وصدركِ ناهدُ

أو تظلمي أفقاً وفكركِ نيرُ

وصدحت اصوات ام كلثوم وفيروز وكل عمالقة الغناء العراقي والعربي حباً بها ولمجدها التليد.

واذا كانت بغداد قلب العراق وجمجمة العرب . فأن شارع الرشيد هو نبض بغداد الذي يشع نوراً من وجوه النساء اللاتي يكتظ بهن الشارع ،وفروعه التي تستدعي الناس لزيارتها ،لتنوع المهن والاعمال التي ينماز بها والبضائع التي يعرضها الباعة ،والمقاهي التراثية المزدحمة بروادها ،وشارع المتنبي آية العاصمة ورمزها الثقافي والمعرفي فليس ثمة مثقف أو انسان يتشوق الى المعرفة لم يزر مكتباته ويتصفح كتبه للاطلاع او الاقتناء .

حين نسير بخطى وئيدة ،كي نتمعن في الوجوه الحسنة والاناقة التي يتسم بها أهل بغداد حتى – راحت أناقتهم مثلا عند العرب  – لأننا جئنا من مدن تشبه القرى ليس فيها من العمران وجودة الحياة التي أبهرتنا به العاصمة ،وعند سيرنا ذهاباً من الميدان باتجاه الشارع نمشي من الجانب الايسر ،وحين ينتهي في الباب الشرقي نعود الى الجانب الايمن كي نروي ظمأ قلوبنا ونواظرنا من تلك الوجوه وكل الاشياء الموجودة لنصل ثانيةً من حيث انطلقنا ،غير أننا لا نذهب الى الاقسام الداخلية فهناك واحة تستقر اليها الافئدة قبل العقول ، أنها مقهى أم كلثوم ،ملتقى العشاق ،حيث نستريح فيها ،ليس من أرهاق السير الطويل ذهاباً واياباً ،ولكن ليطمئن وجيب القلب ،ليسرح الخيالِ بما ملكت القلوب مع الصوت الاثير والكلم العذب والموسيقى الاجمل .

تلك الايام هي الاحلى قبل أن تمتص السنين العجاف شهد الحياة ،فنحن جيل الستينات ومثلنا الخمسينات والسبعينات نعيش حد الهوس على الاحلام والاوهام التي ضاعت بين عبث الحروب ،جوع الحصار ،واتهامات السياسة والاحزاب بتقارير التافهين والساقطين ،عمر أهدر في وطن مزقته هذهِ وتلك .

تذكرت تلك الأيام وأنا اسير اليوم في شارع الرشيد الذي لم يبق منه سوى بنايات كئيبة ،وشناشيل باكية ،وبضاعة أحتلت الارصفة ،ونفايات متناثرة ،وعربات تسير في اتجاهات متقاطعة .

أما أم كلثوم فما زالت تغني لزمان جميل بين أرائك عتيقة هرمة . فيما غادرت وجوه الحسان من الشارع  الذي فقد بريقه وأضحى مجرد أسم يصارع الموت من أجل البقاء .

وطرق ذهني حينها سؤال .. هل السبب في كل هذا الاهمال أسم الشارع ؟ ففي مدينتي السماوة تغير أسم أول وأعرق مدرسة تخرجت منها أجيال من الطلبة – تغيرت – من الرشيد الى موسى الكاظم (ع) . أم أن حال الجزء من الكل الذي أصابه السقم .

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة