آخر الأخبار

المأوى.. قصة قصيرة

محمد إسماعيل


يتشارك كل خمسة أيتام، بثلاث بيضات إفطارا في صباح ملجأ جعت داخله حتى شبعت خوفا من انفلات كلمة:
- جوعان!
ألفظها لا إراديا؛ فألقى من قسوة المشرفات ما تحزن له حافة المسطرة.. كاز.. على ظاهر الكف، فيتضافر ألم الجوع مع الضرب والإهانة!
بلغت الخامسة والخمسين، أحمل طفولتي الباكية؛ لأنني تحملت ضربا مبرحا، من أجل قطعة كيك لم آكلها، تحلق نزلاء الميتم حول المشرفة ضحى، وهي تمددني في باحة المأوى، وتجلدني سوطا أدمى ظهري والاطفال يبكون.
أختي معهم، بكاء وئيد، تخشى أن تتنبه لها المشرفة فتمددها الى جانبي.
بلغت الخامسة والخمسين، أحمل طفولتي الباكية، كلما مررت من شارع الملجأ؛ عوت ذئاب قاب قوسين من خاطر القمر، وأختي لا تزال تصطف مع الأيتام المتحلقين بكاءً، شزرتها المشرفة وهي تلقي السوط جانبا؛ فقالت:
- شره.. خل يتعلم السيطرة على شهوته.
إنفض الجمع ومكثت وحيدا في الباحة، حتى كوت الظهيرة آثار السوط، التي جف الدم حولها وأختي تنوح:
- آه.. إنكسرت إيدج ست!
تمسد حيزا خاليا من شروخ في أديم الجلد، امحت وتيبس الدم عليها ناتئة، لست يتيما جدا، إنما الملجأ يوارب، بين موت أبي وحصان طروادة، الذي ركبته أمي، محلقة على صهوة الأثير، تذرني في القمائط.
جدتي تعبت او شاءت ألا تتعب نفسها بنا؛ فساقتنا الى الملجأ، وتركتنا، نتمسك بأذيال عباءتها:
- جدة لا تعوفينا
والفراشة تهدئنا:
- سنكون أهلاً لكما
توعدتها بالاقتصاص حين أكبر، ولم أنجز الثأر الذي وعدت به طفولتي؛ لأن جدتي هرمت عاجزة عندما بلغت الرشد، بل صرت أعنى بها، محتفظا بحقي في ألا “أحللها” وهي على فراش الموت وسط بيتي، الذي اكتظ بأطراف العشيرة من أقصى النسب الى نهايات الحسب، عصرا وماتت في المساء!
سرت في تشييعها حاملا طفولتي صباح اليوم التالي لموتها، وقد بلغت الخامسة والخمسين من عمري، وللنهار عينان من صمت مهذار، بعد ليلة من لطم وصراخ عماتي:
- فضت وإنكضت وياج.. واليمه طويناها
لم يتعدَ عمري خط السير بين أسرة النزلاء من قهر وصبر، ناديت مساءً على بائع سجائر في “الترفكلايت” طفل وسخ بشع القذارة؛ فـ... صحت بقوة حولتني الى صوت تلاشى في الأثير، و... تلاشى بائع السجائر في الترفكلايت، يحمل خمسة وخمسين عاما من عمري، هو واربعة متشردين يفطرون صباحا بثلاث بيضات فقط، ويضربهم سابلة الطرق لأجل قطع كيك لن يأكلوها.
عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة