آخر الأخبار

ستكبر ثانية ... سرد

محمود سعيد


كان يسير أمام أمه، منتصب القامة، بخطوات واثقة، مرفوع الرأس، في ممرات السوبر ماركت الكبير، كرجل بالغ، توقف قرب نوع مألوف من الشيكولاته، التفت إلى أمه الشابة، المتشحة بالسواد، سألها: هل تشترين هذه لي؟
-لا.
قالت الأم، بهدوء.
لم يحتج، لم يتذمر، لم يقف، سار كأنه لم يسألها شيئاً، ثم توقف على بعد بضع خطوات قرب نوع من الكعك، التفت إليها مرة ثانية: ماذا عن هذا الكعك؟ أختي هالة تحبه.
قالت أمه ببطء وطول بال، بلهجة بغدادية واضحة أصيلة، نادراً ما تسمعها خارج العراق: لماذا تسأل؟ أنت تعرف أنه موجود عندنا.
- عفواً.
- شكراً.
استمر سائراً، غير أنه توقف منتصباً كرجل بالغ، ثم أشار إلى نوع من رقائق البطاطة ذات الطعم المتبل بعصير الليمون والبصل. قال: لا أظن أن هذه عندنا.
ردت أمه بلهجتها الهادئة نفسها، كأنها تخاطب رجلاً ناضجاً: لماذا تنسى؟ يجب أن تفكّر، أنت وضعته بيدك هذا الصباح في خزانة المطبخ.
هزّ رأسه الصغير: أنت على حق.
مرّ بالقرب من مجمدة "الآيس كريم" ذات الغطاء الزجاجي، لم يتوقف قربها، بل أشار إليها بأصبعه الصغير: أظن أن هذا النوع من "الآيس كريم" مازال عندنا.
ابتسمتُ، أحببته جداً، أردت أن أرى وجهه كاملاً، لكني لم استطع، كان يسير وأمه أسرع مني، افترقنا في أروقة "السوبر ماركت" الطويلة والمتقاطعة.
كنت أبحث عن نوع من خيوط الأسنان لا تؤذي لثتي المتحسسة، إذ أنني لا بد أن أنسى شيئاً عندما أسافر. حينما وصلت صباح اليوم إلى عمان في طريقي إلى العراق، نزلت في فندق المنار في الساحة الهاشمية حيث اعتدت أن أنزل في التسعينات، بحثت في الجوار عن خيوط الأسنان فلم أجدها. تمشيت إلى أقرب سوبر ماركت.
عندما وصلت إلى منصة الدفع، التفت خلفي مصادفة، رأيته يقف قربي على عربة التسوق، ويمسك بيده حافتها، فرحت، رأيت تقاطيعه، تقاطيع أمه الشابة التي تغطي شعرها القهوائي بأشارب أسود ، بصورة غير محكمة. سألتها: كم عمره؟
لم تجبني. نظرت إليه، قال بثقة: أربع سنوات، وستة أشهر وأسبوعين.
كدت أضحك، لكني ضبطت نفسي، نظرت إلى أمه: يبدو ذكياً جداً.
- نعم. قالت امه. أضافت: مستوى ذكاؤه عالٍ.
نظر إلى الخلف، وأخذ يعدّ الواقفين بالدور استعداداً للدفع، وبعد ان انتهى التفت إلى أمه: الواقفون وراءنا إثنان وعشرون، وأمامنا خمسة فقط.
فالتفتت أمه لتتأكد، قالت: لا، أنت واهم. بل إثنا عشر.
قال كمن يكلّم نفسه: لابد أن اتعلم العدّ بشكل مضبوط.
- هذا صحيح.
التفتُ إليه ثانية، سألته: هل تقبل أن أكون صديقك.
هزّ رأسه بتأكيد: لا.
ابتسمت: لماذا؟
- لا تستطيع الركض، لا تستطيع تسلق شجرة الزيتون، لا تستطيع أن تلعب معي كرة القدم، لا تستطيع أن تصعد إلى مزلقة الحديد، أنت عجوز كجدي.
ابتسمت: صحيح، لكني أتمنى لو كنت في عمرك.
هزّ رأسه الصغير مرة أخرى بإصرار: لا فائدة. ستكبر مرة أخرى.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة