آخر الأخبار

"المونولوج" و "المتاهة"في قصيدة "نافع الفرطوسي" اخبرني ابي يوما"...قراءه نقدية

نجم الجابري


قد لا يكون "نافع الفرطوسي"آخر الشعراء المعاصرين الذين اتخذوا طريق الحوارية والتأمل وسيلة ناجعة للبحث عن الوسيلة الثاقبه للوصول الى مبتغاه او اظهار الحقائق المستترة، وادراكها والتطلع الى ملامستها.لقد وفق الشاعر في حواريته هذه في ادراك القصدية من خلال طرح الاسئلة ويردفها بتتابع ان استخدام ادوات النداء في هذا النص لايزيل الكلفة عنه بل يقدم حوارا دافئا مليئاً بالمواجع والارهاصات:

 

ياهذا اوجدتني بين نهرين عظيمين

ونهارات لانهاية لها

اودعتني سرك المتقد..

 

تبدأ حيرته الاولى ودوامة اسئلته التي تجد اجابات على هيأة تسائل اخر أشبه بالمتاهة:

 

لن تكف عن اللهط وراء رغائبك

او الركون الى شيئيات قدرك..

 

إن حرارة "جمرة" الاسئلة الموجهة من الابن للأب، تبدو أشبه بنصائح مجتمعية عن نهاية الاشياء وعدم الانجرار وراء الرغائب وان المآل محض شيء مؤكد.. لقد جدد الفرطوسي تساؤلاته بتقنيات الحاضر والماضي وقدم حوارا دون لوغارتيما غائمة، اشبه بصراع فلسفي او حوار بين الوان التراب والهواء:

 

أودعتني سرك المتقد مع غبش الطيور ..

وهذا المقطع اعتبره ايقونة النص:

 

تركت أمي تكابد الفجيعة

وتصهر روحها الدامية..

 

مشاهد مكتملة لأوجاع وإقصاء، قدمها الشاعر للمتلقي على طبق لغة شعرية تكتفي بذاتها وأفرغ الذات بمحاكاة الواقع المر.

ان فقدان الشعور بالحياة وجمالها ولذاتها يجعل الشاعر ينهج اسلوبا قصصيا من خلال الحوار المتماهي خلف دلالات ورموز خبيئة، والحدث والحكاية المرمزة، لأن الحوار القائم على أسئلة مثيرة ينبه المتلقي ويمنحه طاقة شاسعة للتخيل، سيما وان الاجابة أكثر إثارة واهتماما وجذبا ، وهنا يقول:

 

أيها المخبوء بين عيوني

والمستتر كالرماد في ليلة باردة..

 

ثم يأتي الجواب من نفس السائل الذي يطرح عذاباته واسئلته:

 

إمتشقت سيفك الوثني

وتركتني متدثرا خلف الصباحات متشظيا..

 

هنا يتبادر للذهن ان الشاعريطرح اسئلة وافكارا فلسفية معينه قد لايستطيع البوح بها، انها تساؤلات اشبه بالصراخ قدمها الفرطوسي ناعمة شفيفة مترعة بسياط الحزن والغياب:

 

أترك لي طمأنينتي

فلن احفل بعد اليوم بحروبكم وصروحكم الرملية !

 

في الختام يمكنني الجزم ان المتحاورين، كانا صدى لبعضهما الاخر قريبان من بعضهما قربا معنويا وروحيا، فهكذا اسئلة لاتثار بين شخصين بل كان حوارا رمزيا ومونولوجا داخليا هادئا وصارخاً في آن،فلربما نظن ان الاب هو العراق الرمز الوطن اما الام فكانت القضية او المتسع الذي أثار هذه الاسئلة ،وكان إحساس المحاور حين ادرك ماقيل له كمن لايملك الا إجادة الكلمات والتساؤل الممض.

بالمقابل فقد ذكر الشاعر بالمعطيات الثابتة،مصرحاً بها دون تورية،وأجزم بعيدا عن الاحتمالات المستترة ان القصيدة أرغمت المتلقي على الدخول في منطقة الميتافيزيقيا بأمتياز والذوبان فيها دون تحفظ.

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة