آخر الأخبار

محطات روائية: الغربة بين عالمين .. افتراضي وواقعي

 كريم السماوي


الروائي السويدي فيلهم موبرغ ( 1898 ـ 1973 ) الأكثر شعبية في بلده استطاع أن يزاوج بين عالمين، افتراضي وواقعي عن الغربة في روايته " حياة الإنسان على الأرض " التي نشرها سنة 1963 أي قبل عقد كامل من وفاته، وفيها صور خاتمة لحياة مهاجر سويدي نحو أميركا، وبعد 40 سنة من الغربة وجد نفسه وحيدا يناجي نفسه وهو على شواطئ المحيط الهادي، أكبر محيطات العالـَـم بعد أن تركه ولداه مهملا رغم شعوره بالحاجة إليهما، أما زوجته الثانية والمطلقة أيضا فهي بالكاد تتبادل معه الرسائل كصديقين، بينما كاترين حبه الأول قبل أن يهاجر بقيت مجرد ذكرى بعيدة بعد أن باتت حتى خطاه على الشاطئ وئيدة، ينساب الموج فيمحو آثارها من على الرمال، محدثا نفسه:" الحديث عن وطن قديم وجديد زيف، زيف من البداية إلى النهاية .. هجرتَ البلاد التي ضمّتكَ ورعتكَ طفلا ويافعا ومراهقا.. هنا عجوزٌ أنتَ، وهناك طفلٌ، صبيٌ، ومراهقٌ .. وتحدد مصيركَ: إنسان بلا وطن...

     هذه الرواية التي كتبها موبرغ وهو يتلمس كيف أن حمّى الهجرة التي اجتاحت السويد خلال القرن الماضي على كتابتها نتيجة الفقر الذي تعيشه بلاده، حتى بلغت أعداد المهاجرين أكثر من مليون مهاجر يمثلون ربع السكان آنذاك، غالبيتهم هاجروا إلى الولايات المتحدة الأميركية، والسويد في حالة سلم، هذه الحمّى كادت أن تصيبه هو شخصيا، فأعد العدة لها، غير أن تدخل أسرته وتوسلها به جعلته يعدل عن الهجرة في اللحظات الأخيرة، ولكنه سافر إلى أميركا مستطلعا فيما بعد، وتخيل نفسه في عالمه الافتراضي هناك فيما لو هاجر ماذا سيحدث له؟! بالتأكيد كان سيكون كأولئك الذين هاجروا قبله، وتحملوا ما تحملوا من مشقة وحنين إلى الوطن.

     سبق لموبرغ أن كتب ملحمته التاريخية عن المهاجرين السويديين والمؤلـّفة من أربع روايات هي: المهاجرون/1949، في البلاد السعيدة/1952، المستوطنون الجدد/1956، الرسالة الأخيرة إلى السويد/ 1959. هذه الملحمة التي تمكن موبرغ من بيع مليوني نسخة منها في السويد وحدها. وموبرغ الذي ينحدر من أسرة فقيرة من مقاطعة سمولاند الجنوبية اهتم بتاريخ بلاده أيضا وكتب عن ذلك قائلا:" أنفقتُ وقتا ليس باليسير على دراسة تاريخ أجدادي وكل ما عرفته عنهم انعكس في رواياتي الثمانية .. والآن صار معلوما لي أنّ تاريخ بلادي هو في الغالب تاريخ العذابات والمآسي الإنسانية ". وتجدر الإشارة اليوم إلى أن السويد تقيم نصبا تذكاريا لأولئك الذين هاجروا ولم يعودوا ويبلغ تعدادهم 7 ملايين نسمة في أميركا اليوم، هذا النصب لرجل وامرأة واقفان على مصطبة في ميناء كارلسهامن في الجنوب، وهو آخر ما شاهده المهاجرون من اليابسة السويدية خلال انطلاقهم نحو عالم الغربة الواقعي دون عودة بعد أن حددوا مصيرهم من هناك...


عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة