السماوة/ خاص
حتى عهد قريب، كانت مدن محافظة المثنى تعجّ بـ (الحمامات العمومية) أو (الشعبية) المشهورة، مثل: حمام السعداوي الذي شيّد في العام 1927 في مبتدأ شارع (عكد مصيوي) قريباً من نهر الفرات ويعدّ أول حمام بني في السماوة، وبعده بعامين بنى آل قدوري حماماً مماثلا في منطقة القشلة، ثم بني حمام الكوثر في العام 1933 بمنطقة الغربي، وكان يستقبل المستحمين من الرجال والنساء بمواعيد محددة، وحمام عفريت (اللواء لاحقاً) وكانت ملكيته تعود لليهودي (يوضا) وقد اشتراه لاحقا مع ما يحيط به من دكاكين التاجر عبد الله غريب بمبلغ 300 دينار، كما بني لاحقا حمام الفرات والحمام الحسيني، في السماوة. ولوحظ وقوع كل تلك الحمامات على مبعدة مسافة قريبة من نهر الفرات.
أما في قضاء الرميثة فاشتهر حمام (ألبو جعيلة) و(الحمام الشعبي)، وفي قضاء الخضر كان هنالك حمام شعبي واحد فقط.
وقد خصصت بعض تلك الحمامات ثلاثة أيام في الأسبوع للنساء وما تبقى للرجال، وفي العادة تخصص فترة ما بعد الظهيرة للنساء وباقي الأوقات للرجال.
وربما جاءت كلمة (الحمّام) من مفردة (حمّى) بالعربية وهي تعني الحرارة العالية المفرطة، بسبب سخونة الأجواء داخل تلك الحمامات.. بحيث أن الزبون حين يدخل الى الحمام ينتظر بضع دقائق حتى تترطب بشرته وجسده وتنفتح مسامات جلده بسبب سخونة وحرارة الجو بداخل الحمام، قبل ان يبدأ الاغتسال والتدليك و(التلييف).
وللحمامات الشعبية عادة مدخل صغير يطل على الزقاق أو الشارع، يقودك الى بهو كبير مغطى وتصفّ فيه الأرائك الخشبية المتعدّدة على جنبيه وتفرش بـ (الحصران) المصنوعة من سعف النخيل.. ولاحقا صارت تبنى مساطب من الطابوق والأسمنت وتكسى بالكاشي الموزائيك أو قطع الرخام، في حين يجلس صاحب الحمام مزهواً بهندامه الأنيق قرب الباب الخارجي.
وتضم أروقة الحمامات في جوفها، مجموعة من المقصورات والأيوانات (لوج)، وكانت من ضمن أجواء وطقوس وعادات الحمامات الشعبية، ان يدخل الزبون وفي يده صرة قماش تحتوي على الملابس النظيفة التي يرتديها المستحمّ بعد استحمامه، فيأخذ أريكة ويبدأ بخلع ملابسه الخارجية، ثم يأتي عامل الحمام بعد ذلك بـ (وزرة) جافة يعطيها للزبون ليتزنر ويغطي جسمه بها، قبل أن يدلف الزبون ويدخل إلى قاعة الغسل التي هي عبارة عن قباب مقوسة في السقف، وفي داخل كل قبو أحواض من الحجر متوسطة السعة تحوطها من الداخل حنفيات متعدّدة يجلس حولها المستحمون لمعادلة (مكاسر) الماء الحار والبارد.. أما الأوعية والطاسات المستعملة في الحمام متنوعة صغيرة وكبيرة، فهذه طاسة لصبّ الماء وأخرى لنقله وجميع هذه المواعين من النحاس المسمى (صفر)، وبعد ذلك صارت من الالمنيوم (الفافون).
تقع في وسط القاعة دكة كبيرة وعالية مبلطة بالإسفلت يجلس عليها الزبون للتعرق والاضطجاع حتى يأتي دوره في عملية التدليك حيث يقوم (المدلكجي) بالحك بكيس أسود خشن، ويمرره بقوة ذهاباً وإياباً على جسم المستحم، وبعد انتهاء التدليك يقوم المستحمّ بضرب طاسه الغسل الحديدية على الحوض الصخري بمعنى انتهائه من الغسل، ويأتى العامل بالمنشفة للمستحمّ ليلفها وسط الخصر وعلى كتفيه ورأسه، ثم يختمها بكلمات ايقونية جاهزة: (حمامك عوافي).. ليسلمه ملابسه وقبل ارتدائه ملابسه يشرب المستحمّ الشاي أو الحامض أو القرفة (الدارسين) الساخنة.
ونتذكر جميعاً شغف العراقيين بالحمام وطقوسه ومناسباته والتفريق بين (حمام البيت) و(حمام السوق).. حتى أمست الفوضى والجلبة التي يشيعها بعض الناس في الحمامات، مضرباً للأمثال، فيقال مثل "حمام النسوان."
وتتناقل الأجيال عن حمامات مكثت حتى عقود قريبة واستأصلتها الحداثة، ولم يعد لهذه الحمامات دور مهم.. حيث تهدم قسم منها مثل حمام السعداوي في السماوة والحمام الشعبي في الرميثة.. ولكثرة الحمامات داخل الدور حاليا، أصبح ارتيادها يكاد يكون محصورا على الوافدين الى المدينة من خارجها.
تعليقات
إرسال تعليق