القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

 محمد فرج المعالي




رحمك الله يا عمتي، مضى عليك يا عمتي تحت التراب ثلاثة ايام، اه، يا عمتي. كانت عمتي في الخامسة والستين من عمرها لم تفارقها الابتسامة بيننا، نعم اقول بيننا لأنها لم تبتسم في مكان اخر، حين تنهض وتدخل غرفتها تفارقها الابتسامة وتجلس متجهمة لا تلوي على شيء سوى النظر في المرآة، ثم الاستلقاء على السرير وتضم ذلك الشماغ الاحمر لصدرها، تقبله وتشمه كأنها تتنفس من خلاله.

لم تتزوج عمتي، لم يأت لخطبتها أحد قط، ظلت تنتظر ان يأتي لها عريس، حين اخذ العمر بالتقدم اصابها الرعب واخذت تراقب قطار العمر بتوجس، تخشى ان يأتي مسرعاً ويتركها واقفة امام شباك الحياة المغلق بوجهها، لم تتوان في الذهاب لمراقد الاولياء طلباً للرزق. كانت أمي ترافقها في زياراتها وتهجدها في شبابيك الاضرحة، تدعو وتذرف الدموع، لقد اسرفت في القاء النذور في شبابيك السادة والأئمة، تقول أمي حين ذهبنا لمرقد السيد وكانت المرة العاشرة التي تزور فيها مرقده الشريف اخذت تهز الشباك بقوة وتتكلم بصوت مرتفع كانت تقول وتبكي بنحيب متقطع: لم يا الله لم ترزقني بزوج، الوحدة تقتلني، لا اطلب منك ان تزوجني من امير او ملك اريد زوج كما النساء، هل هذا كثير يا الله، حتى وان كان مثل عبود بائع السمك. وحين يئست كل الياس ولم تجد اي اجابة لدعائها وتوسلاتها اخذت تفكر بالذهاب للمنجمين وقارئي الاكف، منهم من قال لها ان ثم امرأة اخذت من اثرك واحرقته في مقبرة ومنهم من ادعى ان ثم شيء ما قد خط على جبينها منذ ولادتها، ثم حين ذهبت لامرأة عارفة اوعزت لها بثبات وكأنها تعلم علم اليقين ان ليس لها اي قسمة او رزق في مسالة الزواج وعليها ان تعيش حياتها على هذا النحو. اخذت تعيش معنا وتبتسم رغم المرارة في داخلها، تضحك معنا وتحكي لنا عن احلامها بطريقة ساخرة تقول مرة حلمت إني في عرس وثم رجال كثر يرقصون ويغنون اقترب مني أحدهم واخذ يرجوني لأقبل ان اكون زوجه له لكني رفضت وتركته يبكي خلفي. ضحكنا وسألنا لم يا عمة لم تقبلي قالت في نوبة من الضحك كان طويل مثل نخلة. قبل حفنة من السنين كانت تذهب لزيارة قبر جدي وجدت في طريقها ذلك الشماغ الاحمر، اخفته تحت ملابسها حتى لا نجده في حقيبتها لأننا في العادة حين تذهب للزيارة نأخذ حقيبتها فثم الكثير من الاشياء التي تجلبها لنا، اخذنا نراقبها خلسة من فتحة الشباك كانت تضم الشماغ الاحمر لصدرها، تنام وتضعه على وجهها، تشم رائحته وتتخيل صاحبه، ربما ايضا تتلمس عضلاته وشعر صدره لعلها تعتقد انه رجل طويل وعريض الاكتاف تتكور احيانا في منامها كأنها تلبد بين ذراعيه القويتين تغفو بين احضانه. ذات مرة دخلت غرفتها وفتحت دولابها واخذت ابحث عن الشماغ كانت تخفيه تحت ملابسها، وجدت انها وضعت في داخله مسبحة وزجاجة عطر رجالي ومحبس من الفضة وحرز مغلف بقطعة من الجلد كتعويذة للحفظ كانت تخشى ان يصيبه اي مكروه.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع