الإستبداد و العصبية (5-5) ..تعذيب وإعدام الأشقاء السبعة أنموذجاً

عدنان سمير دهيرب/ نقلا عن جريدة (الزمان) الدولية



      يقترن العنف بالاستبداد على المستويين الاجتماعي والسياسي وقد شهد التاريخ المعاصر والقديم نماذج وحكايات تشير الى مستويات مفجعة من القسوة والدمار الذي يغيب فيه العقل وتتلاشى المشاعر الانسانية , ليغدوا المستبد فاقداً لانسانيته حد التبلد والجمود , فهو لا ينظر للآخر سوى شيء مادي من ممتلكاته التي يتصرف بها حيثما يشاء , وكيفما يريد , يحركه بالاتجاه والوضع الذي يراه مناسباً لرغباته ونزواته وتوجهاته كي يديم الاستبداد والطغيان والسلطة التي يتصارع من أجلها عشاقها , بهدف الاخضاع والهيمنة وسيادة النزعة السادية المستقرة في دواخلهم , وهذه الرغبات والنزوات ترتبط بعوامل عديدة تتعلق بالتنشئة والبيئة الاجتماعية والسياسية التي تغذي بذور الاستبداد لاسيما في المجتمعات المتخلفة , والفاقدة لسيادة القانون والعدالة الاجتماعية وثمة حقيقة يشير اليها الكاتب جون كين أن “مجتمعات القطيع تنجب حكومات من الذئاب على نحو نمطي” أي أن الجمهور بخنوعه يسهم بشكل مباشر بتمدد حالات الاستبداد الذي يتوسل بالعنف مسلكاً لتحقيق تلك الرغبات.

وأن ظهور المستبد يأتي أبداً وسط ثقافة مجتمعية لا تؤمن بقوة القانون وإنما بقانون القوة , ويرسخ العصبية كي تصبح سوراً وأدوات ساندة وأذرع تطوق الآخر سواء بالاقناع أوالتضليل والتلاعب بالعقول أوأشاعة الترهيب من خلال تلك الادوات أوالعنف المادي وتوحش السلوك الذي يهدد حقوق الانسان ويقوض حريته ووجوده.

فهولا يسمع غير صوته , ولا كلام يخالف رأيه , ولا وجود لغير شخصه , ويختزل كيان الوطن بكيانه , ولا صورة تنافس صورته في عيون الناس . والتاريخ المعاصر في العراق شهد مستويات من العنف عند تغيير أنظمة الحكم والادق الانقلابات والازاحات  التي تحصل مع كل نظام بأقصاء وسحق أدوات الحكم التي سبقت الحكم الجديد ..

تبدأ من إزالة وحرق وقبلها رمي الآف الاطلاقات من البنادق لتفريغ شحنات الغضب والكبت . فما يتبع الصمت .. الضغط هوالصراخ , لذلك فأن المجتمع العراقي بعد كل مرحلة سياسية ,استبدادية يصرخ بعنف مدمر , يبدأ من الصور التي لا نتخلى عنها لأنها جزءاً من الملاحقة التي يصنعها المستبد في كل مكان لتطويق الاخر , إضافة الى التماثيل  المنتشرة في الساحات والمؤسسات , ولا تنتهي بزجهم في السجون وسحلهم في الشوارع , وفي الغالب أن هذه الانظمة العصبوية قرابياً أوايديولوجيا وربما الأثنين معاً تسيطر وتتحكم في أنظمة الحكم , فقد أشار الدكتور أياد القزاز الى أن ثمة عشرين عائلة خلال العهد الملكي حكمت العراق , على قمة الهيكل المعاصر للسلطة السياسية والاجتماعية للبلاد أفراد من عشرين أوثلاثين عائلة حكمت العراق فعلياً وتحالفوا مع بعضهم البعض من خلال المصاهرة والمصالح المشتركة . أن عددهم المحدود يجعل من الممكن لهم أن يعملوا بوحدة هدف أكبر مما هوموجود في غالبية النخب الاخرى في الشرق الاوسط .

وقد أستمر هذا النمط بالرغم من ظهور أحزاب يسارية وقومية وأسلامية , تتفق أحياناً وتختلف غالباً , لتباين الايديولوجيا وسلوكها في الحكم وصناعة الرمز أو المستبد والرغبة في الاستحواذ على السلطة , وقد عرف المستبد أصطلاحاّ بأنه  الحاكم الذي يحكم بسلطة مفرطة واعتباطية . أما على المستوى الشخصي اليومي فالمستبد هو من يمارس على محيطه تسلطاً مفرطاً.

وقد تجلى ذلك خلال أنظمة الحكم التي توالت في العراق لاسيما أبان النظام السابق . ويرى المفكر فالح عبد الجبار أن قبلية الدولة مرت عبر مراحل متنوعة ابتداءاً من عام 1968 فصاعداً حتى بلغت ذروتها في الثمانينات  والتسعينات من القرن العشرين , وأسهمت مع عوامل أخرى في تعزيز نظام دولة توتاليتاري أسري . وقبلية الدولة هي عملية دمج شبكات القرابة القبلية , أي المنظومات والثقافات القرابية الاولى الرمزية والمتخيلة في صلب أجهزة الدولة , بغية توطيد السلطة السياسية لنخبة حاكمة هشة ضعيفة.

أن أستمرار هذه النمطية في الحكم حتى بعد تحوله الى نظام ديمقراطي أعتمد المحاصصة السياسية في الحكم وواجه تحديات جمة وكبوات متراكمة , أفضت الى طرح سؤال المقارنة من قبل الشباب حالياً من الذي لم يعرف حثيثات واقع النظام السابق مع النظام الحالي , فقد أخذت عدد من وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي تحسين وتجميل صورة نظام المستبد .

صناعة مستقبل

ونعتقد أن المقارنة غير صحيحة , لأن المجتمعات تسعى الى صناعة المستقبل بالتعليم والعلم والثقافة وإشاعة روح التسامح , لا الى ثقافة  وطن تشيده الجماجم والدم مجتمعات تجتهد في كيفية مساندة النظام الديمقراطي وانتزاع العصبية من المنظومات الحاكمة , ببناء مجتمع مدني وإعادة تشكيل دولة يسودها القانون والعدالة الاجتماعية وليس المقارنة مع حرائق مرحلة مازالت متقدة جراء دمار الحروب وفاقة الحصار وتقارير التافهين للجم حرية التفكير والتعبير.  فقد ذكر الكاتب الفرنسي بيار سالينجر في كتابة الملف السري لحرب الخليج 25 بالمئة من سكان العراق يعملون لحساب أجهزة الأمن المختلفة وقد تم تنظيم معظمهم وتدريبهم بواسطة خبراء البوليس السري الألماني الشرقي Lastasi  ويؤكد كنعان مكية أن نسبة 20 بالمئة من اليد العاملة العراقية مكلفة رسمياً بحمل السلاح للقيام بأعمال عنف، هذه النسبة تشمل الجيش ومليشيا الحزب وقوات الامن وبأنواعها، وهولاء غير شبكة المخبرين واسعة النطاق في كل نقابة ومدرسة ومحلة في العراق.وهذه النسبة ليس لها مثيل في أي نظام استبدادي آخر في العالم. في القسوة ص 244 وهؤلاء جميعاً يستمدون قوتهم ومختلف أشكال الترهيب والاستبداد من المستبد الاعلى ليعالجوا حالة التقزيم الذاتي التي يعانون منها بتحويل أستبدادهم على مادونهم. فما زلت أذكر حكاية صديق أشر على حقل لا في أستمارة الاستفتاء على رئيس النظام التي جرت نهاية عقد التسعينات . ودفع ثمن تلك الاشارة شهوراً من الكوابيس والقلق والارق , فقد ظل يحاسبه الشرطي أوالرقيب الذاتي الذي زرعه النظام على مدى سنوات من الترويض والترهيب …. المقارنة الخطأ مع نظام سحق عمراً وامنيات اربعة  أجيال مازالت تعاني مخلفات ذلك النظام ,الذي اعتمد على العصبية القرابية والايديولوجية والاعتباط في إتخاذ القرارات والعنف في السيطرة على الشعب , ونذكر هنا أنموذجاً يكشف عن مستوى القسوة والعسف  التي استخدمها لاخضاع الناس لحكمه, وليس المقاطع الصورية المجتزأة لوقائع حصلت قبل عقود من الزمن .

تبدأ قصة الرعب بعد مشاركة الاشقاء سعيد ومحمد ونجم أولاد عبد الامير عبد الرحيم الاملس حيث داهم رجال الامن دارهم الواقعة في منطقة الاسكان في السماوة الساعة الثانية عشراً ظهراً أي بعد نصف ساعة من بدء التظاهرة التي انطلقت في سوق السماوة الرئيس . ولكنهم لم يجدوا أحداً في الدار. وفي الساعة الواحدة والنصف ليلاً داهموا الدار مرة أخرى غير أن الاشقاء فروا من الدار بالقفز على سطح دار مجاورة. إلا أن رجال الامن لم يشاؤوا العودة خاليي الوفاض فاقتادوا الاب الى مديرية الامن للاستفسار عن اولاده ولكنهم لم يحصلوا على جواب شاف. واستمرت المراقبة السرية للدار عدا المداهمات المستمرة حتى أنهم اقتحموا البيت أربع مرات في يوم واحد بحجة السؤال عن محمد الذي كان يعمل في مصفى النفط والذي ألقي القبض عليه بعد عدة ايام.

واستمرت المراقبة وتواصل الاستفزاز حتى وقعت في أحد الأيام مواجهة بالمسدسات بين نجم ورجال الأمن فأصيب في ساقه اليمنى مما سهل عملية إلقاء القبض عليه واعتقاله. إلا أنه هرب من سجن مديرية الأمن بناية دائرة الكهرباء حاليا  واختبأ في إحدى القطارات حيث كانت محطة القطار تقع مقابل بناية المديرية غير أن أحد عمال السكك أبلغ عنه فاعتقل ثانية وغاب الى الابد.

وبعد أربعة أشهر من ذلك داهم رجال الامن بيتهم للسؤال عن سعيد وبعد العبث بموجودات البيت خرجوا من دون الحصول على ما يبحثون عنه. وبعد حين ألقي القبض على علي في وحدته العسكرية وأرسل الى الشعبة الخامسة ذلك المعتقل الرهيب الواقع في بغداد. وقد علموا بذلك بعد ثلاثة أشهر.

وبتاريخ 27/4/1981 تسلموا جثة محمد الذي كان يبلغ من العمر 27 عاما  وكانت مشوهة بسبب التعذيب فقد قلعت عيناه وتورم وجهه وانتفخت أذناه اللتين بدا عليهما أثر قارصة موصلة بالكهرباء. فيما كانت يداه وساقاه محترقتان وقد قلعت أظافره. ولم يتمكنوا من تغسيله بسبب نضح الدم من كل أجزاء جسده المنتفخ لذلك يمم وجلبت له كميات كبيرة من القطن ليلف بها.

وبعد دفنه في النجف والعودة الى الدار جاء أحد ضباط الأمن وكان برتبة نقيب وقال هذا بزونه..وممنوع إشاعة خبر وفاته.ولم يكن أمام الام المفجوعة غير الصمت بقلب محترق جوابا لرجل حقير يطلب ما لا يستطاع عليه.

ولم يكتفوا في الاستمرار بمداهمة البيت عن سعيد فاقتادوا والده مرة أخرى ليغيب لمدة سنة وشهر في مديرية الأمن . ومن ثم ألقي القبض بعد شهرين على حسين الذي كان يبلغ من العمر 14 سنة  بتهمة توزيع منشورات ضد النظام الحاكم وفي الوقت عينه صدر حكم بالسجن لمدة عشرة أعوام بحق علي .وبتاريخ 20/1/1985 إستلموا جثة حسين حيث كتب في شهادة الوفاة بأنه أعدم شنقا حتى الموت رغم وضوح آثار التعذيب والتشوهات على جسده الغض.

وفي عام 1981 أعتقل عباس ذوال 12 سنة  وكان طالبا في الصف الأول المتوسط حيث اقتيد من مدرسته  الآفاق.

وفي ذات العام أعتقل رحيم ذوال14 سنة  والذي كان طالبا في الصف الثالث متوسط ولم يستلموا جثته حتى سقوط النظام .

اطلاق سراح

 وفي عام 1986 أطلق سراح علي ولكن المداهمات والاستفسارات المتمحورة حول سعيد ظلت مستمرة والذي كان قد ذهب إلى بغداد للقاء مجموعة من أهالي السماوة الذين يقطنون في فندق الحرمين في باب القبلة بالكاظمية وهم عبد الرزاق الفطن وهاشم موسى والمهندس ضياء هادي بشير وموفق عباس الغرة وكاظم جاسم محمد  .

وهناك في بغداد جرت مواجهة مسلحة مع رجال الأمن الذين قتل منهم ستة وإستشهد على أثرها هاشم موسى وجرح عبد الرزاق الفطن الذي رفض الاخلاء من قبل جماعته خوفا لذلك القي القبض عليه ونقل الى مستشفى الرشيد العسكري تحت حراسة مشددة وبعد شفاءه نقل إلى سجن رقم واحد في ابوغريب وبعد فتره وجيزة اعدم شنقاً حتى الموت ولم تسلم جثته الى اهله. فيما تم ملاحقة سعيد الذي كان أحد أعضاء حزب الدعوة حتى استشهد في مواجهة مسلحة جرت في شارع فلسطين بعد أن قتل اثنين من رجال الأمن وأصاب سائق المركبة التي كانت تقلهما في عينه وكان بصحبة سعيد في تلك المواجهة محمد الحاج هادي الخرسان  الذي نجا من الموت بأعجوبة .

ولم تنته أيام الرعب والخوف بعد استشهاد سعيد ففي 14/9/1987 داهم رجال الأمن الدار المنكوبة في الساعة الثالثة والربع فجراً حيث ألقي القبض على علي وزوجته واقتيدا مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين في طريق طويل لم يتعرفا عليه ولكن اليقين الذي كان مستقرا في قلبيهما آنذاك هو توجههما إلى أحد مراكز التعذيب وفعلا فقد علقا فور وصولهما الساعة التاسعة والنصف صباحا في أحد سقوف الشعبة الخامسة كما تبين لهما فيما بعد وبقيا على ذلك الوضع عشر ساعات متواصلة !!. ثم أرسلا إلى زنزانة تحت الارض تشبه الحوض كانت ممتلئة بالماء حيث بقيا مغمورين فيها حد العنق لمدة ثلاثة أيام, ولابد أن أيا كان سوف ينهار من شدة الإرهاق والألم والضغط النفسي والجوع والاحساس بالضياع وإذا ما أغمض عينيه فسوق يجد نفسه قد غرق وعليه يجب أن يقاوم لوأراد البقاء على قيد الحياة مهما كان شكل أو مستوى آلامه.

وحينما خرجا بعد 72 ساعة من ذلك الجحيم إرتضوا أن يتم اقتيادهم لأي مكان آخر ومهما كان العذاب الذي ينتظرهم فيه لمجرد الرغبة الفائرة لملامسة الارض للراحة والجلوس لبرهة من الوقت لا أكثر!!!!!! فأية أمنية عجيبة تلك !!

ولكن الأمنيات على ضعتها ذهبت أدراج الرياح مع أول جولة جديدة من التعذيب بعد الخروج من حوض أو حجرة المياه حتى استشهد علي بعد بضعة أيام فيما أطلق سراح زوجته.

وبعد ثلاثة أشهر على ذلك ألقي القبض على حسن وكان عمره 14 سنة  وحكم عليه بالسجن المؤبد لصغر سنه. وصدر حكم بالسجن عل ستار أيضا فسجن في أبوغريب الجناح الخاص . وبعد مضي ثلاثة أعوام أطلق سراحه بالعفو العام الصادر في 30/12/1990 ولم يكن ذلك العفو رحمة بالسجناء وإنما رغبة بالتقرب من الناس بعد إقدام صدام على حماقة جديدة تمثلت هذه المرة بغزو الكويت ليسقط هذه المرة عسكريا بعد ان سقط معنويا وإنسانيا في نظر شعبه بسبب ممارساته اللاإنسانية مما أفقده كل أسباب الولاء. وقد تم اكتشاف ثلاثمائة مقبرة جماعية في أنحاء العراق بعد سقوط النظام في 9/4/2003  وربما وجد ستار وأمثاله من المفجوعين بغياب الأحبة أجوبة في أعماقها من تساؤلات اختفاء أحبتهم في الدنيا بعد أن ايقنوا من مكانهم الابدي الذي استوطن السماء والقلب والتاريخ.

قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون  سورة النحل – الآية 27 .

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال