آخر الأخبار

أفكار أفضل لمعالجة السخط

عدنان سمير دهيرب / نقلا عن جريدة "الزمان" الدولية



لم تُؤدِ التهديدات واستخدام العنف والخطف والقتل الى الهزيمة.  بل أفضى الى مزيد من التحدي، فالأمل والجرأة والايمان بقضايا الحرية والحقوق ومحاربة ألفساد كانت دافعاً لديناميات الاحتجاج،  في الموجة الاولى التي استمرت ثمانية ايام كان العامل الاقتصادي والحصول على فرص عمل باعثاً للتظاهر في العاصمة بالرغم من سقوط  قتلى وجرحى لم يطفئ جذوة الرفض، بل منح سبباً آخر للمطالب والتحدي، وحين توقفت لبضعة أيام كان المحتجون فيها، قد ذهبوا يغترفون من منبع الثورة والاصلاح، التي صادفت زيارة أربعينية سيد الشهداء ورمز التحدي للفساد الامام الحسينع ، تلك المناسبة حالت دون التواصل للموجة الاولى، بيد أنها كانت منهلاً للإيمان، أستدعى فيه المحتجون رمزاً تاريخياً ظل مستقراً في الموروث العقائدي والشعبي لقوام الاحتجاج، هذا الرمز عزز القناعات بالمزيد من الجرأة والشجاعة والتضحية والتواصل والايمان بضرورة التصدي والدينامية لتحقيق الاهداف التي تطورت الى مزيداً من المطالب، فلم يعد العامل الاقتصادي السبب الوحيد، فقد برزت مطالب وحقوق اخرى كانت مغطاة، بأشكال متعددة من التضليل والشعارات والانقسامات السياسية والاجتماعية .

الموجة الثانية التي استمرت اكثر من خمسة اشهر كشفت عن وعي عفوي بسلبيات الواقع المحيق بالانسان العراقي الذي أثقلته أخطاء السلطة على مدى سنوات من الحروب والحصار والصراع الطائفي والارهاب .

قفز جبل جديد جُله بين 18-25 عاماً فيما تبلغ الاعمار من مواليد 1-2 – 2003  فقط مليونين و600 ألف شاب من مجموع عدد السكان، يبحث عن واقع آخر خلاف السائد، ساعدته وسائل التواصل الاجتماعي للبوح بما يفكر ويعبر عن رأيه، وسط مجتمع أفتراضي غابت عنه الرقابة، وحضرت الحرية في مجال ليس فيه محددات وقرارات قامعة، القيادة فيه تضامنية تسهم في عملية  التعبئة، وتخلق أيضاً شعوراً بالانتماء والتضامن والهوية الجماعية بين المشاركين الذين يعبرون من خلال انشطتهم التعاونية وسمحت تلك الوسائل للحركات الاجتماعية بالتحول من الهياكل التنظيمية الهرمية نسبياً، الى شبكات عارضة لامركزية فضفاضة الانتساب للغاية وتربط تنوع واسع من المجموعات والجهات الفاعلة والمصالح دون فرض أجندة واحدة أو برنامج عمل مهيمن ليا ليفرو، وسائل الاعلام الجديد ، 201  .

فقد تراجع الرأي السائد على مدى قرون ومفاده أن الحشود لا بد لها من قائد وأذا ما أنتهى أو غاب القائد  أصبح مثل دجاجة بلا رأس .

شعارات جديدة

ظهرت شعارات جديدة تلتقي مع معضلات يعاني منها المجتمع، واستدعت رموزاً من الماضي تنسجم مع قضايا مفهومة للمجتمع، وأخرى صنعتها أحداث ووقائع حصلت أثناء الاعتصامات التي توسعت وانتشرت في كل المحافظات الجنوبية والوسطى فضلاً عن العاصمة.

هذا الثبات والجرأة والايمان من جهة والقمع بكل اشكاله والاستجابة البطيـــــــئة والغائبة أحياناً من قبل السلطة من جهة ثانية وبروز خيط الدم وسقوط الشهداء و “القاتل المجهول” ، أدى الى التحــــــــــــدي وتعميق الفجوة بين الجهتين .

همس الدم  أصبح حاضراً الى مزيد من العناد بدلاً من أن يكون قامعاً لجهود الحراك، فهو لا ينهي الاضطرابات والحركات الاجتماعية السلمية، بل يعزز ديناميتها ليس وفاءاً للضحايا فحسب بل حماية للجمهور، الذي مازال يعاني من ذات الاسباب التي خرج من أجلها. وأصبح مطلباً أولياً بوصفه حقاً يتعلق بالحفاظ على الحياة، يتقدم على جميع المطالب السابقة التي تفاقمت خلال المدة السابقة لا سيما العامل الاقتصادي .

فقد أشارت ممثلية برنامج الغذاء العالمي في العراق الى وصول معدلات الفقرالى 31 بالمئة من عدد السكان ، وارتفاع سلة الغذاء 14 بالمئة وتراجع القدرة الشرائية بنسبة بلغت 25 بالمئة  إثر رفع سعر الدولار مقابل الدينار فيما كانت نسبة الفقر عند حدوث الموجة الاولى  عام  2019 تبلغ  20 بالمئة، وبذلك تفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً للفئات الهشة أو المهمشة والشباب الذي تتساوى او تتشابه أيامه ، ليبحث عن الامل بين همس الدم الذي أضحى يرافقه.

لتنطلق الموجه الثالثة من الاحتجاجات في المحافظات بدون العاصمة بعد توقف ثمانية أشهر جراء تفشي جائحة كورونا، أنطلقت الموجة الجديدة بين المحافظات التي ما زالت غارقة بالاضطراب والتحدي لسلطة ما برحت متصلبة ، وأحزاب ترفع شعارات وتطلق دعوات مغايرة  لشعارات الحراك الخارج ضدهم في الشوارع متناسية  أن تلك الدعوات  لم تعد ماءاً يطفئ الظمأ. وتغيب عنهم حقيقة تاريخية للكاتب إيريك دورتشميد أن الاضطرابات دوماً ولاتزال ظاهرة لا يمكن هزيمتها الًا من خلال أفكار أفضل، عن طريق الاقناع وبتغيير الظروف التي اشعلتها، والدعوات الفارغة لا يمكن أن تطفئ هذه النيران .

أن غياب الحقيقة ينتج بيئة هشة، واندحار الاضطرابات يأتي من عقول منفتـــــــحة تحقق المساواة وسيادة القانون والقضاء على البطالة، ليس بالتوظيف الحكومي الذي غدا عسيراً وإنما بأنعـــــــاش الصناعة والزراعة والخدمات وتحريك عجلة الاستثمارات، إذ يوجد 1770 مشروعاً وهمياً ومتلكئاً .

من غيرالجائز  أن تستمر الاضطرابات والاحتجاجات الى يوم مجهول  لابد أن تضئ  ومضة البرق سماء مدن  قلقة ساخطة حزينة متشحة بالسواد تنوح على أبنائها الشهداء والمفقودين الذين تتزين شوارعها بصورهم .

تغازلها السلطة عند صراعاتها وكبواتها ونزواتها وتهجرها حين تسترخي، واذا ما صرخت أتهمتها بالعقوق .

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة