القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث المواضيع

الصحافة الرياضية في العراق بعيدها الـ 98 .. ماضٍ زاهر وحاضر غادر.. ومستقبل محفوف بالمخاطر!

إياد الصالحي


مرّت الذكرى 98 لتأسيس الصحافة الرياضية في العراق بصمتٍ كحال السنين السابقة التي اقتطِعَتْ منها ورقة اليوم 22 من مُفكرة شهر تشرين الثاني دون أية وقفة مهنية تستحقها المناسبة لتسليط الأضواء على واقع الصحافة ودراسة متطلّبات النهوض بها واستذكار رموزها الأموات والأحياء وما قدّموه في مشوارها الطويل عِرفاناً بعطائهم ووفائهم وجهودهم كمرآة أمام تطلّعات الجيل الجديد الطامح للسير على خطاهم برغم التحوّلات الزمنية لوسائل العمل وتباين الظروف في البلاد.

طريق الصحافة الرياضية الطويل لم يكن معبّداً بممرّات مفتوحة ومنعطفات آمنة منذ أن مسك موزّع الجرائد (ناجي) منادياً بصدور أول عدد من مجلة (نادي الألعاب الرياضية) يوم الأربعاء الثاني والعشرين من تشرين الثاني لعام 1922 بست عشرة صفحة لصاحبها محمد السيد علي حيث كانت تباع في مكتبة محمود حلمي أفندي بسعر 48 آنه روبية، حسب توثيق الزميل هشام السلمان في كتابه (تاريخ الصحافة الرياضية في العراق 1922-2010) وتوالى بعدها إصدار الصحف والمجلات على يد محرّرين واجهوا ظروفاً عصيبة تحت سطوة مجالس إدارات بعضها تابعة للسلطة الحاكمة أو قريبة من دوائرها، وأخرى تبنّاها رجال القطاع الخاص بحثاً عن حرية الرأي والاستثمار!

سلاسة الكلمة

ما يميزّ الصحافة الرياضية عن بقية التخصّصات التي شكّلت هاجساً كبيراً للقرّاء وفي مقدمتها السياسية، أن كتّاب الشأن الرياضي كانوا أكثر قرباً من الشارع بسلاسة الكلمة وجمالية الصورة وواقعية الكاريكاتير، ولم تمضِ مناسبة رياضية مُفرحة للجمهور إلا وكانت الصحافة البطلة مُناصِفة للإنجاز بتغطيتها الواسعة لما تحقّق للعراق من مكسبٍ في بطولة فرقية أو تنافس فردي لفت الانتباه اليه بشكل استثنائي الرباع عبدالواحد عزيز صاحب برونزية الخفيف (67.5)كغم برفع الأثقال في أولمبياد روما عام 1960، مروراً بمنجزات أبطال ألعاب القوى طالب فيصل وفالح ناجي وحسن كاظم في دورة الألعاب الآسيوية، وصولاً الى تأهّل منتخب كرة القدم الى كأس العالم عام 1986 في المكسيك، ولا ننسى ما تخلّل الحُقب الستينية والسبعينية والثمانينية من فعّاليات لافتة على مستوى العرب وآسيا، كانت الصحافة الرياضية مُمثلة بثلاث صحف رئيسة وواحدة متخصّصة تضم أروع الكتّاب خبرة وفطنة وتحمّلاً للأعباء النفسية، وشركاء فاعلين في التقويم بالنقد والإشادة، مع الفارق أن حقبة الثمانينيات كانت حُبلى بالأحداث وأبرزها الحرب العراقية الإيرانية التي امتدّتْ لثماني سنوات (1980-1988) واكب خلالها الصحفيون الرياضيون أعمالهم بمهنية عالية وبدافع وطني تراءى للواقع بهمّة كبيرة تحفيزاً للرياضيين على قهر الظروف وإسعاد شعبهم المُبتلى بين ناري الحرب واللُقمة!

حصار التسعين

وحدهُ العقد التسعيني، ضغط بكل سلبيات حصاره على أبناء المجتمع والصحفيين منهم، لكنهم لم يهِنوا أو يتركوا الساحة، بل جابهوا بإرادات استثنائية محصِّنة للنفوس من الضعفاء، وظلّوا مُنكَبّين على أعمالهم ومرافقين للوفود في أصعب رحلاتها الخارجية دون أن يأبهوا لفقر المخصّصات المالية، لكن مسارات الرياضة أخذت بالنزول تأثّراً بحصار البلد، فلم توثّق الصحافة لتلك الفترة ما يُشيع البهجة وسط توالي الاخفاقات، وجوبهت مشاركات فرقنا بالحظر لأكثر من بطولة بسبب تداعيات احتلال الكويت في 2 آب 1990، ونتيجة لسوء الظروف المعيشية أو لأسباب شخصية اضطرّ عديد الزملاء الهروب عبر منافذ آمنة أو تزوير وثائق سفرهم أو التنسيق مع منظمات إنسانية حتى استقرّ قسم كبير منهم في دول عربية وأوروبية مكيّفاً معيشته مع عائلته حسب موارد الأعمال التي مارسها البعض مُكرهاً بعيداً عن مهنته!

دوافع عاطفية

وما أن تعرّض العراق عام 2003 الى غزوٍ أميركي رافعاً شعار الخلاص من نظامه السياسي، حتى غزت المهنة أكثر من 150 صحيفة وضعف هذا الرقم من أشخاص أدّعوا تمرّسهم في الكتابة وسعوا لاستحصال إجازة المهنة من نقابة الصحفيين العراقيين، نجح بعضهم في إثبات جدارته فيما أبتعد من لم يكن صائباً في توجّهه، ووثّقَ الاتحاد العراقي للصحافة الرياضية انتماء 106 أعضاء عام 2004 توزّعوا على 34 صحيفة ومجلة، تباين تأثيرها في الشارع الرياضي بين الهادفة ذات منهج محترف وملاك مهني ملتزم بمعايير حرية النشر، وبين منهج أثار اللغط والاستياء بفعل مضمون الرسائل المخاطِبة لمؤسّسات أو أشخاص في القطاع الرياضي بدوافع عاطفية غير موضوعية تفتقد الكياسة، وتجلّت خطورة العمل الصحفي الرياضي في أتون الحرب الطائفية (2005-2006) التي عمَّتْ مُدن العراق في أسوأ فصل من تاريخ المجتمع العراقي، سقط البعض في خنادقها بأعمدة رأي منزوعة الغِمد الوطني، وفي المقابل مات زملاء أعزّاء ضحّوا بأنفسهم من أجل الدفاع عن وحدة الكلمة لئلا يموت الشعب والوطن.

تقهقر اقتصادي

ولم تهنأ الصحافة الرياضية للفترة (2014-2017) التي شهدت نفوذ عصابات داعش الى مدينة الموصل، وانشغال البلاد بحرب التحرير وما تلاها من تقهقر اقتصادي دفع أكثر من صحيفة للإغلاق ولجوء المحررين لاختيار العمل في قنوات تلفازية وإذاعية ومواقع إلكترونية أو إدارة مكاتب أندية واتحادات لتأمين قوت يومهم، فيما انزوى عدد غير قليل لاسيما كبار السن في بيوتهم بانتظار فرصة عمل جديدة مع ترقبهم إقرار مجلس النواب تعديل قانون منح الرياضيين الأبطال والرواد لسنة 2013 بعدما أنجزت الهيئة المؤقتة لاتحاد الصحافة الرياضية المكلّفة بإدارة شؤونه منذ عام 2014 حتى الآن قوائم 83 صحفياً مشمولاً بالمُنحة تجاوزوا سنّ الخمسين حسب شرط القانون ووفقاً لسنة الانتماء للنقابة، أملاً أن تسدَّ هذه المنحة بعض متطلّبات حياتهم نظير عطائهم الكبير كشركاء أصلاء مع الرياضة وأبطالها.

تهديد كورونا

واستمر الزمن الحاضر بغدره للبشرية في حوادثه ومفارقاته، ومع أن فايروس كورونا (كوفيد-19) قتل أكثر من مليون و100 ألف إنسان في العالم منذ آذار الماضي الى ما قبل شهر من نهاية العام 2020 وتهديده بفتك أكثر من 120 مليون شخص جوعاً حسب إحصائيات المنظمات الأممية والغذائية، لكنه ينل من عزيمة الصحفيين الرياضيين في العراق حيث يواصلون رصد الأحداث اليومية والتماهي مع مؤسسات الدولة في إيجاد مخارج آمنة لأزمات مفتعلة تنطوي على مصالح شخصية تتلاعب بمقدرات المؤسسات مثلما تعاني الأولمبية الوطنية من تصارع محتد للاستحواذ على كرسي الرئاسة بقوّة القانون أو الدعم الخارجي أو التهديد بالوثائق السرية، الأمر الذي جرّ بعض الزملاء للاصطفاف مع هذه الكتلة أو تلك بقناعات لم تعد ضوابط المهنة فاعلة في تغييرها وإلزامها الحياد! وبقيت سلطة الضمير هي المسيّرة لعقل الصحفي والرقيبة على سلوكه.

دموع في البلاط

98 عاماً، ولما يزل البعض مطمئّناً لمستقبل الصحافة الرياضية في العراق برغم سوداوية المشهد ومجهولية المصير ومحفوف بمخاطر خروق أعرافها، ولا تبرح ذاكرتنا آخر كلمات شيخ الصحفيين الرياضيين د.ضياء المنشئ ودموعه تنساب مع حديثه بألم شديد لحظة وداعه المهنة "أبناًً باراً لمدرسة الحقيقة الناصعة" مثلما وصفه الخبير الرياضي د.باسل عبدالمهدي، يقول المنشئ في حوار نشرته المدى بتاريخ 30 آب عام 2008 : 

"سابقاً أعلنتُ قراري بالانفصال عن الصحافة، وكسرتُ قلمي احتجاجاً على اختراقها من قبل صحفيين يعملون على طريقة "أعطوه ألف درهم!!" لكنّني مطمئّن عليها بوجود أقلام شريفة ووطنية تكتب بحياء وخلق رفيعين، ولم تدنِّس بلاط المهنة كما يفعل البعض اليوم بإفراز قيح حقده وشتم الأصلاء، فتحية لكل من سارَ على درب رموز الصحافة كفاءة وتربية، في الدفاع عن المبدأ الراسخ في النفوس من دون خوف أو تملّق لأحد".

تعليقات

التنقل السريع