آخر الأخبار

لك تنحني الجبال ... تواضع الشجعان

* كتاب يوثق حياة الشهيد ابو ظفر بعنوان " لكَ تنحني الجبال" للكاتبة السيدة: بلقيس الربيعي



إن إحترام الناس لا يمكن أن نكسبه إلا بالتواضع  والمثابرة ، والبساطة .  وكان ابو ظفر يجمع الى العلم ، فضيلة التواضع بغيرتكلف وما أصعب أن يتواضع العلماء والمفكرون !   . وقد قرًبه تواضعه وبساطته في نفوس كل الذين  إلتقاهم وعمل معهم . وكل من تعرف عليه يحتفظ في ذاكرته بتلك الصورة المشرقة لإبي ظفر الإنسان المثقف المتواضع ذي الأخلاق السامية . وقالوا عنه :" شاب ثوري ، رفيع الثقافة ، متواضع ، مستقيم ، سريع البديهية ، نذر نفسه لقضية شعبه ووطنه دون أنانية . "

 يجيد النكتة ويوظفها احيانا في تعامله مع مرضاه  ، و كان بعيدا عن كل انواع التبجح ، طبيعيا في علاقاته مع الآخرين .إنسانياً، رقيقاً مهذباً وفي الوقت نفسه  صريحاً وكان يحظى بحب وتقدير الجميع لأنه يحب الناس ، وحب الناس هو بذرة الحياة .  ومن كردستان كتب لي يقول : " … الشيء الذي اعزه في نفسي إني رغم الظروف الصعبة ، لم افقد مرحي ، وبأن ثقتي بكِ وبحبكِ لي خالد ، وبأنه دافع كبير لي في مواجهة هذه الظروف ، للتغلب عليها  ."  وفي كردستان  قرّب هذا التواضع ، وتلك المعايشة اليومية من شخص ابو ظفر إلى نفوس الرفاق ، وكان الجميع يشعر برفع الكلفة والفوارق الأكاديمية بينه وبين  رفاقه    وكان  صديقهم جميعاً .

  منذ ان كان في العراق ، كان ابو ظفر متواضعاً ،وفي عتق في جمهورية اليمن الديمقراطية  ، حيث الناس يعيشون في أكمل صور الديمقراطية ، لا فرق بين مسؤول وآخر كبير أو صغير إلا بالعمل  ، تعمقت عند ابو ظفر سمة التواضع بشكل أكبر. وبقدرته الكبيرة والرائعة على إقامة العلاقات الإجتماعية ، توطدت علاقة الحزب  بالأخوة اليمنيين ممن كانوا يجهلون قضيتنا ، وكسب العديد منهم للتضامن مع قضية شعبنا ومعاناته داخل الوطن  . وتركت فترة عمله في محافظة شبوة بصماتها في نفوس أهالي المحافظة . أذكر في عتق  لم تكن هناك صيدلية ، ورغم ان المواطنين يحصلون على الأدوية مجانا من مستشفى عتق ، ألا انهم   أحيانا يلجأون لشراءها  من بعض الدكاكين ، ومعظم هذه الأدوية  منتهية صلاحياتها  . وهنا روادت ابو ظفر فكرة بناء صيدلية في المدينة ، فسارع بمفاتحة المسؤولين في المحافظة ومدير عام الصيدليات  في عدن، ورحب الجميع بفكرته وأبدوا إستعدادهم  لتنفيذها  .كما وطرح الفكرة على الرفاق في عتق وخاصة المدرسين  منهم  وأكدًوا له إستعدادهم للعمل اثناء عطلتهم . قام الأخوة اليمنيون بتوفير  مواد البناء وباشر ابو ظفر و العراقيون  بالبناء  .ومن المواقف الطريفة التي حصلت    اثناء إنشغال الجميع بالعمل ، مرً  بالمكان رجل عجوز فسأل احد المارة :

 ـ من هولاء البشر ؟

 إنهم رفاق  من الحزب الشيوعي العراقي  ، إنهم يبنون صيدلية في المدينة .

ـ أراهم بشر مثلنا !

ـ ومن قال  غير ذلك !هم ناس مثقفون ويقدمون خدماتهم لنا .

 

 ــ طالما هكذا الشيوعيون ، فلنكن كلنا شيوعيين !

                                                                                                      

 

 

 وقد كتب الأخ ناصر البعسي الذي كان يعمل مع ابو ظفر في مستشفى عتق قائلاً: "لقد وضع الشهيد بصماته الإنسانية والنضالية في كل مكان في حياتنا ، في الصحة والتنمية والتعليم  . لقد كان حكيما عندما يعاين مرضاه وسياسياً قيادياً  في إجتماعاته الحزبية مع الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي أو مع الرفاق في الحزب الإشتراكي اليمني  في  محافظتنا.."

              ا

 

وفي كردستان حيث قضى ثلاث سنوات مناضلا ، كان مثالا يُحتذى به في سلوكه اليومي سواء كطبيب يحمل حقيبته الطبية أو كنصير مزنراً ببندقيته . ففي جو العزلة هناك وقسوة الطبيعة واشكال العلاقات الحزبية والإجتماعية وإختلاط أنماط من الشخصيات ذوات الخلفيات المختلفة والأمزجة المتباينة ، يخلق بلا شك ضغوطات نفسية ، ولاسيما إذا أضفنا الأمور الشخصية كفراق الأنصار لإسرهم وأهلهم وغيرها من الأشياء التفصيلية المهمة ، تجعل من الصعب أن لا يتأثر مزاج اي إنسان بهذه المؤثرات والضغوط ، لكن ابو ظفر كان برأي مجالييه ورفاقه ـ حقا حالة إستثنائية. كان سياسياً  ذا بصيرة وبُعد نظر ، ولم يكن متصلبا في آراءه فيفرضها على الآخرين ، مما جعل منه إنموذجا رائعا للنقد والنقد الذاتي . ويروي عنه الكثيرون بأن شخصيته الحزبية لم تكن متصلبة مع أنه في موقع حزبي متقدم ، ولم يكن بنفس الوقت متذمراً من واقع الحزب وحركة الأنصار الداخلية ، وهذا كان في ظرف صعب يحتدم فيه الصراع والتنافس ، وتكثر فيها   الجماعات والحلقات بين الأنصار وفق التقارب في وجهات النظر والأفكار .ولا يعني ذلك أنه كان لاأباليا أو توفيقياً  أو بدون موقف ، فقد كانت له آراءه الإنتقادية التي يطرحها بكل جرأة ووضوح ، وفي الوقت نفسه يترفع ابو ظفر  عن أجواء التنافس والتحارب وغيرها من النواقص والأمراض التي يمكن أن توجد  في ظرف خاص وإستثنائي كما هو عليه الحال في حركة الأنصار وكان يمتلك شخصية مرنة ولم تنعكس المزاجية في سلوكه حينما يختلف في الرأي أو الفكر مع شخص أو جماعة بطريقة تعامل عقابية كما يفعل البعض .

 بعد أحداث بشت آشان الدامية ، كان هناك نوع من الجزر في صفوف الحزب ، وكل من سنحت له الفرصة بالخروج من كردستان ، لم يفكر بالعودة ثانية ، لكن ابو ظفر عاد تاركاً عائلته . عاد يحمل التحدي والأمل بالتغيير في سياسة الحزب  وفي رسالة منه وهو في طريق عودته الى كردستان كتب يقول : " … أتذكر الأطفال دائما وأشتاق اليهم ، لسوالفهم الحلوة . لقد تعلقتُ بهم لدرجة كبيرة جدا لم اشعر بقدرها إلا حين فارقتهم و أتذكر ظفورة وقولها المتسائل بأن الأيام تمضي بسرعة ودموعها وهي تودعني ، ويسوري وهو يصرً على أن يحمل حقيبتي ويساعدني على هبوط الدرج مودعا . وبقدر ما اشعر بالفرح لأنهما كبرا وأصبحا اكثر تعبيرا عن مشاعرهما ، يبكيني بل ويدمي قلبي فراقهما . تصوري كدتُ اسقط الى الأرض متهالكا بعد أن وصلتُ الى الشارع خلال دقائق من توديعكم لي ، حيث طافت صوركم في رأسي وشعرتُ بالأرض تدور بي، وإنتابني حوار داخلي عنيف وإجتاحتني رغبة عارمة بأن اعود لإحتضنكم وأعيش لحظات اخرى بينكم  ، وشعرتُ بضعف كبير الى حدٍ أحسست به بأني سأسقط  الى الأرض ، ووقتها إستنهضتُ همتي وإنتابني الخجل منكم فيما لو فعلتُ ذلك. وإستعدتُ عزيمتي تدريجيا وسرت وأنا أنشد نشيدا ثوريا بصوت خفيض ، إلا أني لم استطع أن امنع الدموع من أن تنسكب من المآقي ألما لفراقنا . أحبكم واشعر إني قوي لأنكم عائلتي ، جنتي الصغيرة …."

 

 لدى ابو ظفر القدرة الكبيرة على التأقلم في كل بيئة يعيش فيها .فكما تحملً  بصبر ظروف محافظة شبوة القاسية طيلة فترة عمله هناك  ، تحمل الظروف القاسية  في كردستان   . ومن إحدى المحطات وهو في طريقه الى الوطن ، كتب يقول :           

 "  المكان الذي انا فيه الآن ... محطة على الدرب الطويل ، حيث إستقر القرار ووضح الهدف وحيث لا يفصلنا عن العدو الفاشي العابث في وطننا سوى مسافة بسيطة .. يصبح الواحد منا بحاجة كبيرة جدا للتغلب على الأعداء المتخفين الذين ينبرون من دواخل نفوسنا كلما واجهتنا الصعوبات .. السأم … الضجر .. الإحساس بالغربة .. الخ . لقد خبرتُ هولاء الأعداء الشرسين الذين يتخفون في دواخل ذواتنا في مراحل مختلفة من حياتي .. لقد كان سلاحي في حربي معهم كل مرة هو إيماني الراسخ بعدالة قضيتي الشيوعية وحتمية إنتصارها مضافاً لذلك حبنا الخالد وثقتي باللقاء في كل مرة نفترق .

فقد كنتُ قبلاً اتصور ان نسياني لكِ في حالة إفتراقنا ولو مؤقتاً سيقوي من عزيمتي في وحدتي ولكني تيقنتُ من أن هذا النسيان ، فضلاً عن انه غير ممكن  ،  بل ومستحيل ، فهو إضعاف وليس قوة لعزيمتي   ، لذا فذاكرتي ملتهبة بخيالكِ في كل لحظة .

 

"   بركان حبكِ في دمي

   مكبوت

   قيّدته بسلاسل النسيان

   يوم فراقنا     

   فإرتادني  الجبروت   

   وطعنته   طفلأ ...

   تبسم ساخرا 

  وبكيت

  مزقته فرأيتُ لحمي حوليّا

  رحلته فإذا الفؤاد شراعيا

  أحرقته حتى اكتويت

  أطفأته ..... فخبوت

  حاولتُ الفأ أن اميت

  جموحه فكبوت

  واليوم ادركُ أن

  حبكِ   شامخ  كالموت

  كيف يموت ؟  "   

 

ويستطيع ابو ظفر  أن يتكيف مع الصعوبات التي تواجهه.

    " الحياة هنا رتيبة تبعث على الخمول ، الواحد منا لا يدري كيف يقضي يومه أو كيف يستقبل اليوم التالي ، فما بالكِ الأسبوع أو الشهر . إني أعجب أحيانا كيف إنقضت هذه الشهور على وجودنا في هذه البقعة من الدنيا , إنه الحماس الثوري والإيمان بالقضية هو الذي يشدّنا الى الحياة والى بعضنا ويآلف بيننا الى درجة كبيرة حتى ليندر أن يحدث ما يعكر هذه العلاقات الرفاقية . إنه هذا الحماس وهذا الإيمان الذي يزودنا بطاقة روحية عالية جدا للتغلب على واقع بائس نعيشه  .إن ذكرياتي عن حبنا هي سلوتي وخبزي وسط هذا الخمول الذي يحيط بي .

أعطيك فكرة عن المكان الذي أعيش فيه. غرفة من 4 في 6 متر  مساحة ، تمطر رطوبة . كنا فيها تسعة رفاق ثم اصبحنا ثمانية . الفراش من الإسفنج سمكه حوالي إنج وعرضه أكثر من نصف متر بقليل ، أما طوله فلا يسمح لقدميّ عندما أتمدد فوقه بكامل قامتي إلا بأن يكونا على الأرض ، فهو قصير .الوسادة قطعة من

 الإسفنج أضطرُ أن أضع كتبي تحتها حتى ترفع رأسي وقت النوم ، والغطاء بطانيتين . كنا أيام البرد الشديد ننام بكامل ملابسنا لكي نحصل على الدفء ، وطول الليل تقطر الرطوبة من سقف الغرفة في وجوهنا .نسينا الجلوس على الكرسي . حاجاتنا من حقائب وأغراض اخرى مثل " زوار طالب بخان ميران " في زيارة الأربعين.وفي وقت النوم مرتبة مثل  "الموزائيك "، والفراش للقراءة وللنوم والإسترخاء ، ويوميا نخرجه للشمس خوفا من " البرغوث " الذي لم يشرفنا حتى الآن  أما القمل الذي  كنا نخاف منه فلم تبدو طلائعه لحد الآن وهذا من حسن حظنا رغم أننا نستحم مرة كل اسبوع . تهاوى   "مرحاضنا " الطيني للمرة الثانية بفعل الرياح والمطر ، وقضينا أياماً من الضحك والتنكيت حتى تمّ إصلاحه .

 

ألعب  الشطرنج مع أحد الرفاق و عندما ألعب معه يتحلق جميع الرفاق حولنا لأن المباراة معه طريفة .  فهو عندما يخسر ، يصبح عصبياً بشكل يثير الضحك ويدخن السجائر واحياناً يلجأ الى شرب الخمر تفادياً لعصبيته ، وانا أحاول تهدئته مما يثير إنزعاجه بشكل لا يوصف .وأحياناً يقلب رقعة الشطرنج ويخلق شجاراً مع الجميع وانا لا أكاد أمسك نفسي من الضحك .‘‘

 

ابو ظفر مثال للطيبة والإنسانية والتواضع ، وشهدت له جبال ووديان كردستان .ومن هناك كتب يقول :

 

 

 

" لقد تجاوزت مرحلة التجذر في حياتي الجديدة الصعبة ، وبدأت اغصان وثمار الوعي الجديد تتكاثر و تشتد خضرة وحيوية . فقد تعلمت اشياء كثيرة ، حباً اكبر لشعبي ، إصراراً اكبر للنضال في سبيل قضيته في الكرامة والحرية .إلتصاقا اكبر بمبادئي . ورغم صعوبة العيش هنا والتفصيلات الحياتية الكريهة أحياناً ، وديمومة العذاب والمعاناة ، جاهدت أن لا افقد ذاتي ، إن لم ارتق بها ، كان وعيي رائعاً في رقابته على دواخل نفسي ، فلم افقد الطيبة والضحكة وبساطة العيش . تعلت اشياء كثيرة أن يكون غذائي خبزا وشاياً لأيام … أن اشعل ناراً رائعة حتى وإن كان الخشب  مغطى بالثلج وبدون نفط …أن لا استحم لثلاثة اسابيع او اكثر .. أن يكون منظر القمل والبرغوث مألوفا لعيوني ..أن اتوسد الصخور والأعشاب في نومي .. أن يكون ليلي نهاراً ونهاري ليلاً .. .أن اعود لأيام العجائز وأنا احمل حقيبتي الظهرية  ( العليجة ) أحفظ فيها معداتي وادويتي في لفات (صرر ). أن اسير وسط الثلوج حيث تنغرز رجلاي حتى الحزام  … وأن اتلقى المطر الغزير يتساقط على رأسي كالهراوات و يبللني حتى الجلد ولساعات … أن اكظم غيضي وانا أقطع الجبال الشاهقة صعوداً أو نزولاً … أن أنام في المغارات لأيام ..أن احبس دموعي  أن لا تنطلق  وقد عصرها البرد اللئيم في المآقي  .. أن اعطش حتى يلتهب الفم .. أن لا أخاف … أن اعشق بندقيتي … أن اسيطر على حزني وأنا أُعلن إستشهاد رفيق وأنا اتحسس جروحه المميتة... كبرت في عيني صور الشهداء  …. أن أحقد على عدوي …تعلمت كيف اشدّ  "البشتين "حول وسطي ، وأن اعلق صفوف الرصاص ، ارتب شروالي... أن اتلفظ الكلمات الجديدة … كيف اسوق البغال وافهم شيئاً من طبائعها … أن لا تقتلني الصعاب … تعلمت وتعلمت أن احبكِ، أن اشتاق اليكِ اكثر .الصبر قسوة الإنتظار.     

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة