آخر الأخبار

لك تنحني الجبال ... البحث عن المعرفة

 * كتاب يوثق حياة الشهيد ابو ظفر بعنوان " لكَ تنحني الجبال" للكاتبة السيدة: بلقيس الربيعي



ما  أن بلغ  ابو ظفر الصف السادس الإبتدائي ، أصبح  شغوفا بمطالعة الكتب وشديد الولع بها . فقد كان   يجمع مصروفه اليومي الذي يحصل عليه ليشتري به كتباً . وحين رأى مطشر جبر،  صاحب المكتبة الوحيدة في السماوة ، تحمُّس الصبي للقراءة وإقتناء الكتب ، أخذ يمده بكل ما يريد من الكتب وعقد معه إتفاقية بان يعطيه الكتاب  ويسدد ثمنه في نهاية الشهر ، وأحيانا كان يعيره الكتب ليقرأها ثم يعيدها اليه  . ودفعه نهمه للقراءة ، الى قراءة كل ما في تلك المكتبة وإستطاع أن يقرأ معظم الكتب في مكتبة المدينة. وفي المرحلة الثانوية إستطاع أن يكون له مكتبة غنية بالكتب والدواوين الشعرية ، فنهل منها الكثير من المعرفة والثقافة وتنامت موهبته في الكتابة بحيث كان بارعاً في مادة التعبير(الإنشاء) في درس اللغة العربية وكان ينال أعلى الدرجات مما اثار إعجاب المدرس شمخي جبر .

    القراءة  عند ابو ظفر  ممارسة يومية لا يستطيع الفكاك منها وكان يلتقط الكتاب كالجائع ، وحين تلمس طريقه في قراءة الأدب ، كانت قراءته  لسلامة موسى والجاحظ ونجيب محفوظ  وغيرهم من الأدباء وبعدها بدأ يميل الى الكتب التي تستهدف المفاهيم التقدمية  فقرأ للعديد من الكتّاب العباقرة أمثال تولستوي ، غوغول ، مكسيم غوركي ، شولوخوف ، ماركيز ، كافكا . ،و كان دائماً يردد لي ما قاله كافكا " إن الإنسان القادر على رؤية الجمال ، إنسان يستحيل أن يشيخ ."  كما قرأ لغوتة ونيتشة وللعديد من الكتاب التقدميين العرب ومن امريكا اللاتينية  .و دائماً يردد مقولة غوتة الشهيرة والتي كان يرددها  جيورجي ديمتروف في محاكمة  حرق الرايخستاغ والتي تقول :

 

 ” تفقد المال ، تفقد قليلا ، تفقد الشرف ، تفقد كثيرا ، تفقد الشجاعة ، تفقد كل شيء “

 

 

 

 وفي فترة الجبهة في السبعينيات من القرن الماضي وحين نشطت عملية إستيراد الكتب التقدمية وإنتشرت الحركة الثقافية  في العراق ، لم يفت ابو ظفر كتاب إلا وإشتراه وإغتنت مكتبته بالكتب الماركسية   ، تلك الكتب التي أشعلت في نفسه حباً أكبر للمضطهدين (بالفتح) والمقهورين ، وبدأت تتبلور عنده جوانب الوعي الفكري والسياسي ، ومنها إمتلك القدرة على التطور المتسارع الذي مكنه من أن يسبق الكثيرين ممن سبقوه بالإنتماء للحزب  .  ودفعه تعطشه للمعرفة والعدالة الى قراءة كل ما وقع تحت يديه من المؤلفات والنشرات الماركسية بشغف كبير .وحين غادر العراق مرغماً عام 1978 ، ترك مكتبة تضم مختلف الكتب الماركسية والأدبية، لكن  حين غدت هذه المكتبة عبئاً على اهله، وخوفا من مداهمات النظام  ، قامت والدته برمي الكتب في التنور وحرقها لمجرد غلافها احمر ، وإن لم تكن كتب ماركسية  فالكتاب في ذلك الوقت كالعقرب .

كانت تربطه علاقة جدا قوية مع رفيق صباه يحيى صاحب  ، فوجد فيه صديقاً يستطيع أن يرتاد معه كل الآفاق دون أن ينتابه ذلك الشعور الذي يقيد العقل ويحول دون التفكير … وأصبحت لديهما امور عادية يتبادلان فيها الأفكار بحرية . فقد كان يحيى مثله يقرأ بنهم  وهكذا أصبحا يتبادلان الكتب .. ومع الكتب يدور النقاش الى ساعة متأخرة من الليل  ، وهما يسيران في شارع الستين حتى يصلا الى كازينو علي زغير على ضفاف نهر الفرات .

 في كل مكان يحلُّ فيه، يؤسس ابو ظفر  مكتبة عامرة تضم مختلف الكتب الفلسفية والأدبية والطبية والتراثية والمجلات العلمية والثقافية وحتى أعداد من بعض الصحف  . و عندما إلتجأ الى جمهورية اليمن الديمقراطية عام 1979 ، كان  يقضي أوقاتاً طويلة في مكتبات 14 اكتوبر لينتقي كتابا  بدون رقيب .

 

 يقرأ  ابو ظفر ليس من اجل القراءة فقط ، بل كان يقرأ من اجل ان يفهم بدقة ، ثم التعامل  مع ما يقرأه وكان يستنسخ اجزاءً من الكتاب الذي يقرأه ، ويلخص ما يقرأءه ليستفيد منه في الأماكن التي لا تتوفر فيها إمكانية الحصول على كتاب .    وفي إحدى محطات التوجه للوطن :

 كتب لي يقول : "قراءاتي متنوعة ومكثفة واستطعت ان اكمل قراءة اغلب ما موجود من مختارات لينين العشرة ، بالإضافة الى عدد من المؤلفات منها اسس علم الجمال الماركسي اللينيني " الجزء الأول منه وكتابيً ستالين " اسس اللينينية " و " حول المسائل اللينينية " وكتاب  " مكارينكو " الجماعة وتكوين الشخصية " وهو من الكتب المهمة في الجانب التربوي والمهني على اساس تجربة واسعة ومنوعة في هذا الجانب لهذا المربي السوفيتي الكبير ، علاوة على أنه يلقي الضوء على كيفية إقامة علاقات إجتماعية طبيعية ، اساسها الفهم العميق للشخصية الإنسانية . كما قرأت  كتاب فلهلم رايش  " المادية والتحليل النفسي " ، بالإضافة الى قراءات شعرية منوعة ومجلات فكرية وادبية ممتازة …     . وقمت بإعادة دراسة مختارات ماركس وأنجلز بشكل رئيسي .واشعر الآن إني قد طورًت بعض الجوانب الفكرية لدي . وحتى قراءاتي للعديد من المواضيع التي قرأتها في مختارات لينين قد إختلفت عن السابق بإتجاه اكثر وضوحاً واكثر فائدة . "

كان ابو ظفر لا يعرف الاسراف ويكره البذخ ، بإستثناء إسرافه في حب الناس وبذخ الروح من اجلهم  لكنه لا يتوانى على الدوام عن شراء الكتب . ومن المواقف الطريفة عن ولعه بالقراءة و شراء الكتب  حين عاد من كردستان الى عدن   لقضاء إجازة قصيرة مع عائلته، كنتُ وإياه نتمشى في منطقة كريتر  في عدن أعجبني قميص رجالي كان معروضاً في فترينة إحدى المحلات  توقفتُ وطلبتُ من ابو ظفر أن ندخل الى المحل لشرائه . 

ـ  ابو ظفر ،أعجبني هذا القميص واود ان اشتريه لك .

ـ  كم سعره ؟

 ـ  إذا يعجبك سنشتريه مهما يكن سعره !.

 ـ  حبيبتي إعتبري نفسكِ قد إشتريته لي وأعطيني ثمنه كي أشتري كتباً كنت قد وجدتها في مكتبة 14 اكتوبر لأقرأها في إجازتي .

ـ ولا يهمك حبيبي  ، سنشتري القميص كما يمكنك شراء ما تريد من الكتب .

في رسالته الصوتية التي سجلها لي قبل أن يتوجه الى كردستان ، كان يوصيني بالحفاظ على الكتب التي تركها في العراق قائلاً :  " اذا رجعتِ للعراق اوصيك بالكتب … تحتفظين بها  .. الكتب التي ساعدتني على أن أضع قدمي على الطريق الصحيح ، خليها لكِ وللأطفال وأن تكون أساساً لمكتبتهم في المستقبل . "

 ورغم الظروف الصعبة التي مرّ بها في كردستان بعد أحداث بشت آشان  ، والخسارة التي تعرض لها الحزب لم تمنعه هذه الظروف من ان يقرأ  ، وكتب يقول :

 " إني اقرأ بشكل ممتاز  رغم حركتنا الدائمة ، ومن الكتب التي استطعت الحصول عليها وقراءتها بعد عودتنا الى بشتآشان خلال الشهر الماضي وحده هي :”  الهزيمة " فادييف ، " شيء في صدري " احسان عبد القدوس ، " لمحات من تاريخ العالم " نهرو ، ومسودة كتاب  زهير  الجزائري  " حول الفاشية "  و   " الصراع الأيديولوجي وتأثيره على منطقتنا  “ عبد الحسين  شعبان  ، " حول صلح بريست " لينين ، " تربية الملاكات " لينين ( إعادة ) ، بالإضافة الى كراريس وملازم حول القضايا النظرية ، اصدرها حزبنا للفترة الأخيرة أحاول جاهداً  أن أعيد   صياغة أفكاري وتلخيصاتي في دفتر صغير أحتفظ به وعاودتُ كتابة يومياتي ولكن بإختصار  "

 بعد أحداث بشت آشان ارسل لي ابو ظفر يومياته بدفترين مع النصير حسين بهاء ( ابو وسيم ) ا لتسليمها لي في دمشق ، لكن للأسف لم يسلّمها  لي ، بل سُلمت لمنظمة الحزب في الشام   ، و رغم مطالبتي المستمرة ، لم تصلني  لحد الآن بحجة ان ارشيف الحزب قد فُقد !!

 

اذكر عندما أهدانى زهير الجزائري كتابه "   حول الفاشية "   ، كتب في الأهداء يقول :" زوجكِ انقذ مسودة هذا الكتاب ، فاليكِ اهديه" .

 ويواصل ابو ظفر في رسائله لي يقول :

أنا مستمر في قراءاتي الشعرية لديواني سعدي يوسف وبدر شاكر السياب . سعدي يمتاز “شعره بالإيجاز ولكن بغزارة التعبير والإيحاءات والصور ، ينقلني الى عالم اوسع ، شعره عن الإغتراب عن الوطن يوحي بعمق المعاناة ، حيث تغّرب عن العراق لمدة سبع سنوات قضى معظمها في الجزائر وعاد للوطن عام 1970 ليغترب من جديد عام 1979.

أنقل إليك جزءاً من إحدى قصائده التي نظمها في الجزائر عام 1965 والتي يقول فيها

 

" يا بلادي  البعيدة 

 

حيث تبكي السماء

 

حيث تبكي النساء

 

حيث لا يقرأ الناس إلا جريدة .

 

يا بلادي التي لست فيها

      

يا بلادي الوحيدة

 

ايها الرمل والنخل والجدول

 

ايها الجرح والسنبل

 

يا عذاب الليالي المديدة  

............................

 

يا بلادي التي لست فيها

 

يا بلادي الطريدة

 

ليس لي فيكِ إلا شراع المسافر

 

 

راية مزّقتها الخناجر

 

  والنجوم الشريدة  "

                           

 

سعدي يوسف يريحني بشعره ، صحيح انه هناك صعوبة في قراءته في البداية ، لكن بمواصلة القراءة يستطيع المرء فهمه بشكل افضل على الأخص بعد قراءة مقدمة الديوان لطراد الكبيسي وقراءة الأشعار من آخر الديوان والتسلسل الى بدايته  .

 

 أما بدر شاكر السياب فيمتاز شعره بموسيقى رائعة وإنتقالات من الهدوء الى الصخب تستجيب معاناتي لها .

 أنقل اليكِ مقطعا من إحدى قصائده عنوانها " رسالة " يصف فيها مشاعره عند وصول رسالة من زوجته تحدثه فيها عن البصرة وعن ابنته آلاء ووقتها كان هو في الكويت للعلاج يقول فيها :

" رسالة منكِ كاد القلب يلثمها

        

لولا الضلوع التي تثنيه أن يثبا

 

رسالة لم يهب الورد مشتعلا

        

فيها ، ولم يعبق النارنج ملتهبا

 

لكنها تحمل الطيب الذي سكرت

    

 روحي به ليل بتنا نرقب الشهبا

 

ويا حديثكِ عن " آلاء "يلذعها

        

بعدي فتسأل عن بابا " أما طابا "

 

أكاد أسمعها رغم الخليج المدوي تحت رغوته

 

أكاد الثم خديها وأجمعها

 

في ساعدي .......

 

كأني أقرع البابا

 

 فتفتحين ......

 

وتخفي ظلّنا السترُ ! ! "

 

   إعتاد ابو ظفر  أن يناقش معي الأفكار التي ترد في الكتاب الذي ينتهي من قراءته   ولم ينقطع عن هذه العادة حتى في كردستان . فعل سبيل المثال ، حين إنتهى من  قراءة كتاب          "  قصيدة تربوية " لماكارينكو كتب لي يقول :

"  إنه من الكتب المهمة في الجانب التربوي والمبني على أساس تجربة واسعة و  منوعة في هذا الجانب لهذا المربي السوفيتي الكبير ، علاوة على أنه يلقي الضوء على كيفيةإقامة علاقات إجتماعية طبيعية أساسها الفهم العميق للشخصية الإنسانية . فهو قريب من مجال عملكِ ، وقراءته ستساعدكِ كثيراً جداً في التعامل الصحيح مع تلاميذك. وقد وجدتُ كثيراً من الأفكار التي يبسّطها في الكتاب قريبة جداً من الأفكار التي كنتُ أتصورها نتيجة خبرتي حول العلاقات الإجتماعية ، وإسمحي لي أن أن أنقل لكِ فقرة مركزية من أفكاره حيث يقول ( لا تنحصر مهمتنا فقط أن نربي في أنفسنا شعوراً سليماً ومعقولاً تجاه مسائل السلوك بل تتعداها الى تنمية العادات السليمة ، اي العادات التي تجعلنا نتصرف تصرفاً  سليماً، لا لأننا فكرًنا طويلأ بل لأننا لا نستطيع أن نفعل غير ذلك لأن هذا هو ما تعودنا عليه. وتنمية

 هذه العادات أمر أصعب بكثير من تربية الوعي . ومن الصعب أن يتصرف المرء  التصرف السليم لا على الملأ بل لنفسه من أجل الفكرة والمبدأ، بل من الصعب أن يتعلم المرء أن يتصرف كذلك، ومن الصعب تعليمه هذا السلوك .... وعلى العموم فإن واجبنا أن نرتفع دائما بمتطلباتنا تجاه كل إنسان ونظل نرتفع ونرتفع بهذ المتطلبات ! كما أن على كل إنسان أن يرفع دائما بمتطلباته تجاه نفسه ... ما الداعي لوجود النقائص ؟ إن واجبي أن  أطّور الجماعة حتى تنعدم النقائص ، ان هذا فقط ما يمكن أن يؤدي بالدرجة الأولى الى تعميق حساب الذات وحساب الذات هو من أصعب الأمور . من السهل أن نطالب الآخرين ولكن عندما تطالب نفسك فإنك تصطدم بعائق منيع هو انك تريد أن تنتحل لنفسك  ألأعذار "

شغف ابو ظفر بالقراءة وإسلوبه الرائع في التعبير يدفعه أحياناً ليكتب بعض خواطره بإسلوب شعري ، ففي إحدى رسائله من كردستان كتب لي  :

 

" أشتاق إليكِ عندما اشمّ رائحة البيوت  

 

وعندما يلامس قلبي صوت طفل .. اشتاق اليكِ

 

حينما تطويني الوحدة في غربتي عنكم

 

وعندما تعتصرني المصائب ... أشتاق اليكِ

 

حينما أشعر بحاجة للدفء ...أشتاق اليكِ بعنف

 

وأحبكِ ... عندما يغمرني شعور بأن لحياتي معنى "

 

حين كان طالباً في كلية الطب ، كان لا يقضي كل وقته في قراءة المراجع الطبية فقط ، بل كان يرتاد السينما والمسرح  من اجل أن يكتسب ثقافة واسعة  . فهو دائماً يفكر بأن على رجل الطب أن يعرف الناس وأن يعرف الطبيعة البشرية وأن يتسلح بالثقافة العامة .  فقد  كان يقتر في مصروفه ويوفر شيئاً ما ليرتاد السينما بعد ساعات الدراسة ليشاهد افلاماً لمشاهير الفنانين ويكتب عن الفلم .

 بعد أن شاهد الفلم " لمن تُقرع الأجراس " المأخوذ عن قصة الكاتب الشهير ارنست همنغواي  والتي تتناول الحرب الأهلية التي دارت في اسبانيا في الثلاثينات من القرن الماضي بين القوات والمناصرين للحكم الجمهوري وجيش الجنرال فرانكو الذي إستولى على السلطة فيما بعد ، كتب  يقول : ”  الفلم يصور حياة إحدى فرق المقاومة الشعبية التي تحصنت في الجبال لتخوض المعارك ضد القوات الفاشية التي أخذت تحاصرها ، وتطاردها من موقع الى آخر . من بين الشخصيات الأساسية في الفلم إمرأتان …إحداهما اسمها " بيلار" وقد قامت بهذا الدور الممثلة  اليونانية" ايرين باباس " ، تشبه نساء الغجر ببشرتها السمراء وملامحها الحادة … وهي القائدة الفعلية لفريق المقاومة تشد من ازر زوجها" بابلو " عندما يصيبه اليأس والخوف من إحتمالات الأسر، فيفرغ زجاجات الخمر في جوفه، ويتحول الى حطام ...كانت إمرأة ناضجة قاربت سن الستين ، فيها صدق وخشونة ، ورِقة الأنثى البرية التي عرفت معنى المعاناة لم تثنِ قامتها أمام العدو … أما الثانية شابة اسمها" ماريا "  وقد قامت بالدور الممثلة السويدية "انغريد برجمان" شابة تشبه الصبي بعودها اللدن وشعرها ينمو مثل زغب الفراخ بعد أن قصه الجنود الفاشيون في معسكر الإعتقال وتعرضت فيه الى التعذيب والإغتصاب . إن فلم "لمن تُقرع الأجراس" عالم الإنسان الذي يقاوم في سبيل قضية الحرية والوطن ...يحيا محاطاً بالجبال ومساقط المياه تندفع هابطة فوق الصخور ، يتهدده الجوع ، او التعذيب في معسكرات الإعتقال ، أو الموت تحت وابل من الرصاص … فلا يرى الجمال المحيط به إلا في لحظة صفاء ، ولكنه يراه بإحساس مضاعف مئات المرات ، وهو جالس ساعة الغروب على قمة عالية يطل منها على الصخور ، والغابات والألوان الذائبة في المساء … أو وهو يختال بحصانه صاعداً أو هابطاً فوق الممرات ، أو عندما يجلس في المساء قرب النار الموقدة تحت إناء ، يعزف على قيثارته اغنية تتحدث عن الحب والشباب .

أدخلني هذا الفلم في أعماق هولاء الناس … كان فيهم ذلك المزيج  الغريب من الضعف والإصرار...الإستسلام والعناد … الجبن والشجاعة .. الطهارة والعهر والفساد .

لازلتُ احمل صورة " بيلار" وهي تتحدى العنف برِقة … ورأس  " ماريا "الشابة المرفوع  على عنق غزال ، وشعرها ينمو كالزغب بعد أن قصه مقص الجلاد ."

كانت علاقةابي ظفر  بطفليه ظفر ويسار رائعة ومتميزة ، مليئة بالحب والصدق وكانت إنعكاسا أمينا لعلاقتنا وحبنا الذي أصبح سمفونية تجسد فيها الخير والوفاء والإخلاص والعطاء  . و بسلوكه الذاتي وعلاقته الحميمة  بزوجته والآخرين ، علًمهما الإنسانية واللطف كما غرس فيهما الحب الشديد للناس والوطن .    

 

  وفي كل رسائله يكتب لي قائلا : " أوصيك بعد الحفاظ على صحتكِ ، اوصيك بالأطفال ظفر ويسار لأني احبهم وحبي لهم جزء من حبي لكِ ! "

          

  لإبي ظفر الفضل الكبير جداً في تطوير تجربتي الثقافية والأدبية . فبتشجيعه ودعمه ، ومنذ ثمانينات القرن الماضي  ، ساهمتُ في نشر المقالات الأدبية والإجتماعية في صحيفة 14 اكتوبر والثوري وقضايا العصر، وقمتُ  بترجمة كتاب"جيورجي ديمتروف  "عن الإنكليزية ، ونُشر الكتاب في عدن عام 1988 .  وفي رسائله من كردستان كان يسأل عن الكتاب قائلاً : " سأبقى أنتظر صورة كتابكِ المترجم عن ديمتروف  وهو يرى النور ، فلقد كان الكتاب وظروف ترجمته آصرة وذكرى جميلة عن حبنا .. ما أجمل تلك الأيام والليالي التي قضيتها وأنا أستنسخ ترجمة الكتاب  ، والعزيمة التي تملأني لإنجازه وكأني أنا الذي ترجمته .. السبب بسيط هو إني أعبدك ."            

 

     واستشهد ابو ظفر دون ان يرى الكتاب وكان الإهداء :

 

  

الى أبي ظفر ..

كان كل أملي أن نرحل معا في فصول هذا  الكتاب لكن هذا المطمح ، على هونه ، لأصبح الآن مستحيلا بعد ان اختطفتك مخالب الفاشية حيث الألآم و الماسي التي تختم حياة ضحاياها من المناضلين أمثالك … حيث حيرتي الأبدية .

 

 

                                بلقيس

 

 

 

احيانا اكون منسجمة في قراءة كتاب ويحين موعد إعداد الطعام  وحين أهمً  بترك الكتاب ، يطلب مني ابو ظفر مواصلة القراءة قائلاً : " ام ظفر إستمري بالقراءة ولا يهم أن يكون طعامنا الآن بيض مسلوق .. " . وبتشجيعه إزداد إهتمامي بثقافة وادب الأطفال ،  فصرت اكتب الحكايات لبرنامج الأطفال في تلفزيون عدن .     

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة